

الكاتبة كارينا أبو نعيم

أقفلتُ الباب بإحكام، لكنّني لم أستطع أن أغلق ارتجافي الداخلي. جلستُ على كرسي مكتبي وأعدتُ قراءة القصاصة التي تركتها. الرقم “١٨٧” ظلّ يلمع في ذهني كأنه تاريخ، أو علامة، أو لعنة. جملة قصيرة، لكنها اختصرت أكثر مما استطاعت جلسات شهور طويلة أن تكشفه.
“في اليوم الذي تظهر فيه بوجهها الحقيقي، سأكون قد متّ.”
تساءلتُ: “هل كان يقصدها فعلاً؟ “.
مددتُ يدي إلى البازيل المصفوفة على الأرض. أخذت أفتّش عن الرقم ١٨٧ بين القصاصات المرقّمة. وعندما وجدته، لاحظتُ أنّ الورقة التي أعطتني إياها لم تكن مطابقة لتلك التي وضعها هو. الخطّ نفسه، نعم، لكن الكلمات مختلفة.
على قصاصته الأصلية كُتب:
“اليوم ١٨٧: رأيتُها في مرآتي. لم أعد أعرف إن كنتُ أنا أم هي.”
تجمّدتُ. أيعقل أنّها تملك نسخة أخرى من قصاصاته؟
تردّدتُ بين الحذر والفضول. لكن شيئاً داخلي دفعني للاستمرار. أمسكت بالقصاصات التالية ورحتُ أقرأها بترتيبها:
اليوم ١٨٨: ابتسمت لي كما يبتسم القاتل لفريسته قبل أن يذبحها.
اليوم ١٨٩: طلبتُ من نفسي الهرب، لكنّ أقدامي سُمّرت في مكانها.
اليوم ١٩٠: قالت لي إنّها مرآتي. وإن كسرتها، سأموت أنا لا هي.
أحسستُ بالهواء يضيق حولي. الكلمات لم تعد مجرّد تدوينات لمريض عاشق، بل اعترافات رجل يختنق داخل شبكة امرأة تعرف كيف تصطاد الأرواح.
رنّ هاتفي فجأة، فقفزت من مكاني. نظرتُ إلى الشاشة: رقم مجهول. تردّدتُ قبل أن أجيب، لكن فضولي غلبني.
– “مراد شكيب؟” جاء الصوت ناعماً، خافتاً، لكنه مألوفاً …
– “نعم، من المتكلّم؟“
– “أتعرف ما أجمل ما في القصاصة ١٩١؟“
لم أكن قد وصلت بعد إلى تلك القصاصة. رفعت نظري إلى الأرض. ها هي الورقة مرقّمة أمامي. أمسكتها ببطء وفتحتها.
كانت مكتوبة بخطٍ مختلف هذه المرّة… خطّ أنثويّ دقيق:
“اليوم ١٩١: حان دوري كي أكتب عنه…”
أسقطتُ الورقة من يدي، لكنّ الصوت في الهاتف تابع همسه:
“إنّه دوري يا دكتور,,,”
وانقطع الاتصال.
