على هذا المقعد جلس للمرّة الأخيرة (5)- كارينا ابو نعيم


كارينا ابو نعيم
قال لي وبكلّ برودة أعصاب:” مات جهاد”.
هذا كلّ ما أذكره من ذلك اليوم المشؤوم، وبعدها، أصبحتُ امرأة أٌخرى. وبدأت رحلة البحث عن الأسباب، وإن عرفتُ السبب، فكيف لهذا الأمر أن يغير من واقع الفاجعة؟ النتيجة واحدة لن تتبدل: رحل جهاد وأنتهى الأمر.
رحل رفيق الدرب ….رحل صديقي الصدوق….ملجأ أسراري والحضن الذي أحاطني بكلّ الاهتمام و الحنان، من دونه، تجردتُ من كلّ أسلحتي، وبت كالفارس المحاصر من كلّ إتجاه، يساومه عدوه بين الإنتقال الى الآخرة أو القبول بوصمة العار…
حددت الدكتورة نيفين موعدنا اليوم، صارحتني بالحقيقة وقالت لي: إن لن أعترف لنفسي بموت جهاد، وأتقبل الأمر، ولو بعد كلّ تلك السنوات، وأقرر الخروج من قوقعتي، لن تنتهي هذه المتاهة، ولن أستعيد ثقتي بالحياة من جديد.
قالتها بوضوح:” لم يعد لدي ما أقدمهُ لكِ، سنواتنا التي قضيناها معاً رسمت لكِ مشوار الخلاص، أنتِ وحدك القادرة على الإمساك بقبضة هذا الباب وفتحه، وحدك أنتِ من سيُعتق نفسه من ظلمة الأحزان لتحلقي من جديد نحو دفء الحياة.”
لهذا قررتُ المواجهة، زرت ُ قبر جهاد للمرة الأولى، حملتُ معي حوضين من زهرتي الغردينيا والياسمين. كان يعشق رائحتهما، ففي موسم الغردينيا والياسمين، كان يغدق علينا جميعاً بأطواق منهما يوزعها بفرح الأطفال وبحب وعشق كبيرين، يمسك الطوق بين أصابعه ويقرّبه الى أنفه ويغرق في ترداد كلمات غير مفهومة، ليعود بعد إنخطافه للحظات، ويقول :” الياسمين للأرواح المرهفة، والغاردينيا للعشاق المتيمين.” ويغرق في نوبة ضحك طويلة غير منتهية.
لم ينتهِ المشوار بعد، هذا ما اقتنعتُ بهِ بعد أن أفادني التعامل مع الصدمة بشكل مباشر، ربما لم أفهم الرسائل التي كانت تصلني عند كل محاولة فاشلة لتقرير مصير حياتي، ربما رسالتي أن أخلّد ذكر هذا الإنسان الذي كان رمزاً للصديق والحبيب والأخ ورفيق الدرب، سأكمل رسالتك، فهمت الآن، هذه رسالتي وعليّ أن أنهي الجدل مع نفسي لأبدأ في إكمال مسيرة جهاد على هذه الأرض.
في العودة، توقفتُ هنا على كورنيش هذا البحر الذي عشقه جهاد حد الموت، الشمس تتحضّر لتسقط في حضن هذا البحر الهائج. توقفت جانب المقعد، لم أستطع الجلوس عليه، لكنني قررت أن أرسل لكَ مع مغيب هذه الشمس الكثير من الكلام الذي اختزنته في قلبي طيلة أربعة عشرعاماً، سأبتسم وسأفرح ، كما كنتَ تطلب مني دائماً، من هنا من جانب هذا المقعد الذي جلستَ عليه، للمرة الأخيرة، قبل أن تفارق الحياة. أنهيتَ الاحتفال بذكرى مولدك الاربعين وودعت كل واحد منا، ولم نكتشف أنك تودعنا لآخر مرة. صعدت السيارة برفقة فؤاد، طلبتَ منه أن “تكزدر” إنك تشعر بفرح لم يعرفه قلبك من قبل، كما قلت لصديقنا. وصلتَ الى هنا، ترجلّتَ من السيارة وجلستَ مع فؤاد على هذا المقعد، وأخبرته كم تتمنى لو أن الوقت يسمح لحققت حلمك ببناء ملجأ للاطفال المشردين والمعنفين والمهملين. وحين شعرت أن الجو تكهرب أطلقت على مسمع فؤاد نكتة من العيار الثقيل وانفجرتما بالضحك. وضحكتَ وضحكت بأعلى صوتك، وكان قلبك العليل يتحضّر للنيل من سعادتك. وفي لحظة، ساد من بعدها صمت أبدي، بعد أن خانك قلبك ولم يستطع أن يحتمل ذبحة صدرية ثلاثية. لترحل من هنا وأنتَ جالسٌ على هذا المقعد، يحيط بكَ البحر ولا يحدّك إلا السماء….جهاد أرقد بسلام جعلتك تتنظر سنوات وسنوات….سأنطلق الى الحياة يا حبيبي من جديد…..
