

الكاتبة كارينا أبو نعيم

أحبّبتُ نرجسيّة
“بدأت قصّتي معها منذ سنوات. ساقها القدر إليّ واعتقدتُ أن الحياة قد تبسّمت لي أخيراً.”
تنهّد بحسرة وتقطّعتْ الكلمات الخارجة من أعماق روحه الجريحة وصمت فجأة وتأهّب واقفاً.
اعتقدتُ أنه اكتفى بهذا القدر من الكلام، وهممتُ بإغلاق دفتر ملاحظاتي حين شعرت به يعاود الجلوس في المقعد، ويُلقي برأسه إلى الوراء، ويطلق صرخة مكتومة، أحسستُ أنّها اخترقت سكون الغرفة، ثمّ غاص في نوبة بكاء.
تجمّدتُ في مكاني وأعدت ُ دفتري بخجل إلى حضني. تخيّلتُ نفسي أدوّن اعترافات إنسان مهزوم، رغم أنّني طبيبه النفسيّ الذي يتابع معه الجلسات، لكنّني في هذه اللحظة شعرتُ أنّني ضعيف جدّاً أمام آلامه.
تغلّب على دموعه وبإصرار واضح تابع كلامه قائلاً:” لم أتصوّر أنّ المرأة التي وهبتها روحي وكلّ ما أملك من طاقة وحبّ وعطاء، ستكون سجانتي ومن سينفذ بي حكم الإعدام.”
تأمّل فضاء الغرفة وأعاد نظره إلى السقف. أحسستُ أنّه توقّف عن التنفس. وبعد ثوانٍ، مدّ يده إلى جيب سترته وأخرج مجموعة قصّاصات ورقية صفراء صغيرة، وقبل أن يضعها أمامي على الطاولة نظر إليَّ ثم قال:”حان الوقت كي أخرج من هذا الجحيم.”
ومشى دون أن يُضيف كلمة أخرى.
أعدتُ قراءة ملاحظاتي التي سجلّتها على مدى أشهر خلال جلساتي معه. أحاول أن أفصّل ما بين الإنسان والطبيب المعالج. إن المهنيّة تتطلّب الحياد.
اختفى بعد جلستنا الأخيرة ولم يعد يزورني في العيادة، ولم يردّ على اتصالاتي المتكرّرة له. أحاول أن أسبر أغوار هذا الإنسان من خلال القصّاصات الورقيّة الصفراء التي رمى بها في ملعبي خلال زيارته الأخيرة وتركني في حيرة من أمري.
دوّن على كلّ قصاصة صغيرة منها مجموعة كلمات.إنّها تشبه قطع البازيل الصغيرة. نهضتُ بسرعة وأزحت سجادة الغرفة ليكون لي مساحة كافية لرصفها الواحدة إلى جانب الأخرى. اعتمدتُ الترتيب نفسه وهي مرقمة من رقم واحد الى 365 …..
