

الكاتبة كارينا أبو نعيم

عدتُ أدراجي من مدافن العائلة. شعرتُ أن الطريق صار أطول ممّا كان عليه صباحًا. لم يكن التعب في جسدي، بل شعرتُ بشيءٍ أعمق، شيء يشبه نزيف الروح…
حين وصلتُ إلى البيت، كانت عمّتي ترتّب الأواني في المطبخ. رفعت رأسها نحوي، ثم توقّفت للحظة. بدت وكأنّها أرادت أن تسألني شيئًا، لكنها تراجعت. اكتفت بابتسامةٍ صغيرةٍ.
قلتُ بهدوءٍ:
“سأصعد لأرتاح قليلًا.”
أومأت برأسها دون أن تنبس ببنت شفة.
صعدتُ الدرج الخشبي ببطءٍ. كانت كل خطوة تٍُصدر صريرًا خافتًا. دخلتُ غرفة والدي وأغلقت الباب خلفي.
كان الصمت هنا مختلفًا. لم يكن هدوءًا، بل كان شيئًا يشبه حالة انتظار.
اقتربتُ من النافذة. بدت الغابة ساكنةً تحت ضوء الغروب الرمادي، لكنني لم أعد أشعر بالخوف منها كما في الليالي السابقة. شيء ما تغيّر داخلي بعد زيارتي لمدفن والديّ. كأنني تعبتُ أخيرًا من الهروب.
التفتُّ نحو المكتب. ما تزال المفكرة السوداء هناك، في المكان الذي تركتها فيه الليلة الماضية
مرّرتُ أصابعي على غلافها الجلدي للحظات قبل أن أفتحها من جديد. هذه المرّة، لم أبحث بين الصفحات بعشوائيةٍ. بدأت أقرأ ببطءٍ، سطرًا بعد سطرٍ، كأنني أحاول الإصغاء إلى صوت والديّ بين الكلمات.
كانت معظم الصفحات مليئةً بملاحظاتٍ طبيةٍ معقدةٍ، ورسومٍ دقيقةٍ للدماغ، ومصطلحاتٍ علميةٍ لا أستطيع متابعتها بتركيزٍ.
توقفتُ عند صفحة مهترئة قليلًا عند الأطراف. كُتب فيها:
“بعض الصدمات لا تُنسى… بل تُدفن حيّة داخل الإنسان.”
شعرتُ بانقباض خفيف في صدري.
تابعتُ القراءة.
“الطفل لا يملك دائمًا القدرة على فهم ما يراه. أحيانًا ينجو العقل عن طريق محو الذكريات.”
تجمّدت يدي فوق الصفحة. أعدتُ قراءة الكلمة الأخيرة. شعرتُ بشيءٍ ثقيلٍ يتحرك في أعماقي. صورة خاطفة مرّت في رأسي بسرعة البرق. بابٌ أبيض… ضوءٌ قويٌٌ… وصوت امرأةٍ تبكي.
أغلقتُ المفكرة فورًا.
تنفّستُ بسرعةٍ، كأنّ الهواء بدأ يختفي من الغرفة.
ما الذي رأيته الآن؟ ولماذا شعرتُ أنني أعرف ذلك المكان؟
نهضتُ بسرعة واتجهتُ نحو المغسلة الصغيرة في زاوية الغرفة. فتحتُ الماء البارد وغسلتُ وجهي.
رفعتُ رأسي نحو المرآة.
تجمّدت، لأنني لثانية واحدة لم أرَ انعكاسي، بل رأيت طفلًا صغيرًا يقف خلفي.
كانت عيناه الواسعتان مذعورتين، وكان وجهه شاحبًا بطريقةٍ مؤلمةٍ.
استدرتُ بعنف، لكنني لم أجد أحدًا. لم يكن في الغرفة غيري. تصاعدت أنفاسي بسرعةٍ مجددًا.
عدتُ مسرعًا نحو المكتب. ما تزال المفكرة مفتوحة على الصفحة نفسها، وعند أسفلها كانت هناك جملة قصيرة مكتوبة بخطٍّ مختلفٍ، بخطٍّ أنثويٍّ رفيعٍ أعرفه جيدًا:
“الذاكرة لا تختفي يا مراد… هي فقط تنتظر اللحظة المناسبة لتعود“
