” ناي في التخت الغربي” .. رسالة إنسانية نبيلة في زمن الكراهية والجنون _كارينا أبو نعيم…


كارينا أبو نعيم
هذه المرة سوف أبدأ من النهاية…
تقدم ريما بالي من خلال روايتها الأخيرة “ناي في التخت الغربي” العديد من الرسائل الإنسانية، كأنها تريد منا نحن القراء أن نتبنى قضايا بطلتها “ناي”، ونسير معها في رحلة خلاص البشرية.
لكن يبقى الصوت الأقوى الذي رافقنا في كل رحلتنا مع “ناي” موجهاً نحو ضمير الإنسانية العالمي. أبغض لعّنة حلت على هذه البشرية هي الكراهية، العنصرية، التعصب الديني واستباحة قتل الآخر تحت راياتهم.
لا أحد يمكنه أن يلغي وجود و تاريخ الثاني، وبالرغم من ذلك، نشهد حفلات إلغاء واضطهاد وإبادة بدأت منذ ظهور الإنسان وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا.
الأرض تعيش أزمة إنسانية مستفحلة. فحين تعزف أوركسترا الكراهية والتعصب الديني و العنصرية ألحانها وتنشرها بين البشر، من المؤكد أنه سيخرج من الانسان الوحش المفترس.
لم يختلف حاضرنا عن ماضينا، فما زلنا نتقاتل بإسم الدين جميعنا دون استثناء.
إن كل شخصية من أبطال رواية “ناي في التخت الغربي” نموذجًا واقعيا” يعيش بيننا أو فينا. لا يهمني ذكر الأسماء لأنها في نظري قشور، المهم ما يحمله صاحب الإسم في فكره وفي تنشئته وما يؤمن به وما يلعنه.
إن المجتمعات الأوروبية، خاصة بعد الحروب التي شهدتها عدد من بلدان العالم العربي وقد نتج عنها هروب ولجوء الملايين من الناس الى مجتمعاتها الغربية، تعيش حالة من الإضطراب وعدم التوازن والخوف من هذا الكم الهائل من الأشخاص المختلفين عن أبناءها بالدين والتقاليد وطرق العيش. لهذا، لم أتعجب من تواجد أمثال “سيزار”، أحد شخصيات الرواية الرئيسية الذي جند “ناي” السورية اللاجئة الى بروكسيل والمقيمة فيها في عملية مراقبة أبناء وطنها العربي خاصة المسلمين منهم. إن الأفكار المتطرفة لا يغذيها إلا الجهل والفقر، وما يصيب مجتمعاتنا العربية من حروب و تهجير واقصاء عمداً عن أرضهم وأوطانهم وبيوتهم وأذلالهم وأفقارهم، كفيل في توفير تربة خصبة للتطرف بكل أشكاله.
المجتمع الإنساني بأكمله واقع في مأزق، تعددت الأسباب والألوان والأعراق والديانات ويبقى الأمر الواحد الأكيد أن ما يجمعنا نحن البشر أكثر بكثير مما يفرقنا.
هذا ما أكدته “سيسيل”، الشخصية المحورية في هذه الرواية لأنه اجتمع فيها كل الأعراق والأديان والأصول وأجناس العالمين الغربي والشرقي. “سيسيل” هي الرمز المنشود من الرواية، فاصرارها على إجراء فحص حمضها النووي لاكتشاف ما تحمله من جنسيات واعراق واديان وتاريخ سيصدمها بداية وسيصطدم كل من يرى في أمته أوعرقه أنه أصل نقي لم يدخله أي عنصر ملوث. “الأصل النقي” كذبة لعبت عليها الكثير من الجمعيات السياسية والدينية.
الرسالة التي حملتها هذه الرواية بين فصولها وفي أورقة كلماتها ونصوصها وفي “جينات” شخصياتها ، هي رسالة
واحدة تقول: ” لا خلاص لنا نحن البشر إلا بمحبة الآخر المختلف عنا ،وتقبله واحترام اختلافه لأن في الاختلاف والتنوع غنى كبير لهذه البشرية، وإلا سنفقد التوازن.
جمعت “ناي في التخت الغربي” من خلال عنوانها الشرق والغرب معاً. فان آلة الناي هي من التخت الموسيقي الشرقي وهي آلة مرهفة الإحساس والشعور.
فتحت هذه الرواية باب الجدل على مصرعيه. الدعوة ما زالت قائمة أيها القوم للعودة الى رشدكم وإنسانيتكم….
ويبقى لي سؤال في نهاية هذا المقال أتوجه به إليكم: ” هل من مجيب على هذه الدعوة النبيلة والإنسانية رغم ما نشهده من أهوال وجنون في كل أصقاع العالم؟”.
