ادبيات

كنت أسكن في شارع فرح أنطون (1) -الحلقة الأولى- كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

قررتُ أخيراً أن أعود بعد هجرة دامت سنوات، لم تكن إقامتي الحالية إختيارية، لكنها جاءت بفعل الحرب التي حملتنا الى الهروب خارج أرض الوطن. إستقرينا في منفانا الجديد القسري طوال مدة الحرب اللبنانية.
بعد أن انتهت المعارك مطلع التسعنيات من القرن المنصرم، وما سمعته عن التغييرات التي أصابت لبنان، وعن عودة الأمن الى ربوعه، وإزالة الحواجز بين أبناء الشعب الواحد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتأهيلها وتطويرها، فرحت كثيراً بما تم إنجازه، وتمنيت أكثر لو أننا فعلاً نصبو نحو تأسيس جمهورية قوية، ونحو بناء دولة القانون بعد أن كان البلد أسير حرب عبثية بإدارة الميلشيات الحزبية المرتهنة إلى عشرات المحاور.
عشرون عاماً من الغربة، حُذفت من سنوات عمري، لم أزر فيها لبنان سوى مرة واحدة لسبب عائلي. استقبلني سعيد ،أحد أقارب والدي، في مطار رفيق الحريري الدولي الجديد، أعجبني كثيراً ما حلّ به، وكيف تحوّل الى مرفق حيوي يعطي انطباعاً حضارياً عن البلد المقبل عليه الزائر والسائح.
لم يبقَ لي في الوطن سوى بيت صغير، عبارة عن شقة في إحدى أحياء المدينة النائمة في أحضان البحر المتوسط، ورثته عن أبي، رحمه الله. تلوح أمامي مشاهد مشوشة من أيام الطفولة، من الأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة جنباً الى جنب، من صراخ بائعي الخضار الذين كانوا يمرون بعرباتهم المحملة بكل أنواع الخضاروالفواكه، من أحاديث وثرثرات الجيران ، إلى الصبحيات أيام الإجازات ونهاية الأسبوع عند جارتنا أم طوني رحمها الله، مروراً بكل وجوه سكان الحي ، حي فرح أنطون، هذا الفيلسوف والكاتب الذي هاجر من مدينته نحو الإبداع والعبقرية. كنت أفتخر جداً حين يسألونني عن اسم الحي الذي أسكنه، كنت أجيب بفخر أسكن شارع فرح أنطون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »