ادبيات

TAKANA- إمبراطورية إحياء الموتى- الجزء الأول (وصية جدي) –كارينا أبو نعيم الحلقة العاشرة-

كارينا ابو نعيم

لقاء “الأستاذ”

بقيتُ طول الليلة السابقة أتحضر نفسياً لإتمام هذا اللقاء، ووضعتُ عدة سيناريوهات تفادياً لأي إحراج، وبقي السؤال الذي لم أجد له جواباً: “كيف ستكون رد فعل العم كمال تجاه زيارة حفيد نسيم له بعد سنوات طويلة من الفراق؟ هل كان متابعاً لأخبار جدي، وعلم أنه توفي، أم كان مبعداً في عالمه الخاص متناسياً كل هذا الماضي البعيد؟”.

غَرِقتُ في أفكاري بينما كنتُ جالساً في غرفة الاستقبال، واستيقظت على صوت

المسؤولة عن خدمات القسم القاطن به العم كمال، فأشارت لي بيدها قائلةً: “تفضل الأستاذ بانتظاركَ في قاعة المكتبة”.

أرشدتني المسؤولة عن القسم إلى المكتبة حيث وقفتْ فجأة أمام باب فولاذي وتبسمتْ لي قائلةً:” من هنا أنتَ من سيُرشد نفسه الى مقابلة الأستاذ.” وتركتني وحيداً أمام مصيري المجهول.

تسمرتُ في مكاني أمام هذا الباب الفولاذي الذي عكس صورتي، وبديتُ كأنني صخرة تجمدت بفعل كلمة سحر أطلقها الساحر، ولم أفهم حينها ما قصدتْ بكلامها السيدة الجميلة، ولكنني بقيتُ أنتظر أن يُفتح لي الباب، وأدخل الى عمق هذا اللغز العجيب.

“من هنا أنتَ من سيُرشد نفسهُ الى مقابلة الأستاذ”. ترددتْ الجملة في رأسي مرات عديدة، وتنبهتُ أن الباب الفولاذي بدأ يتغير ويتبدل ليصبح شفافاً، وانفصلتْ عنهُ كرة ضوئية، طارت وغطت أمام وجهي، فتراجعتُ لا شعورياً الى الوراء، غير أنها تقدمتْ وتسمرتْ أمام عيناي، وبدأتْ بإجراء مسحٍ ضوئي لوجهي.

ظهرت بيانات وصور للعائلة والأصدقاء، ومشاهد متقطعة كأنها مقاطع مجتزءة من فيلم أو فيديو، فتَظهرُ بسرعة وتختفي أمامي على الشاشة التي انعكست على الباب.

بينما كنتُ غارقاً في هول المفاجأة، ظهرتْ بطاقة هويتي، واسم جدي مع صور تجمعنا معاً حين كنتُ طفلاً صغيراً.

اختفت الكرة الضوئية بلمح البصر، وعاد الباب الى طبيعته الفولاذية، وشعرتُ بهواء لاسع يهبط عليّ من الأعلى، ومضت ثوانٍ غبتُ بعدها عن الوعي.

استيقظتُ لأجد نفسي جالساً على مقعد خشبي في قاعة كبيرة تضم آلاف الرفوف، وكأنها تُستخدم لركن الكتب، وما هي إلا لحظات، حتى تقدم نحوي رجلٌ آلي حاملاً معه مجموعة من الأكواب انحنى أمامي وقال:”تفضل”. نظرتُ إلى ما كان يحمله، فإذا بي أرى مجموعةً من الأكواب التي تتحول الى شفافة وتضيء بإسم كل نوع فيها. كان رأسي يؤلمني، ولم أكن أعلم ما حل بي وأين أصبحت، وشعرتُ بحاجة ماسة إلى الكافيين كي أوقف هذا الصداع، وقبل أن أرفع يدي لأنتقي كوباً، قدم لي الرجل الآلي فنجاناً يحتوي على قهوة ساخنة ذات رائحة زكية، تسللتْ إلى دماغي فشعرتُ بنشاطٍ كبيرٍ وسعادةٍ عارمةٍ.

شكرتُ الرجل الآلي على لطف ضيافته، وسألته كيف علم بما احتجته في هذه اللحظة بالذات، إبتسم لي قائلا:” أهلا بك يا حفيد الأستاذ نسيم، إنَ جدكَ لعالم عظيم جعلنا نستشعر ذبذبات الأفكار فنقرأها ونترجمها أفعالاً.”

انصرف الرجل الآلي بينما كنتُ في حالة من الدهشة والإرتباك. ماذا حصل معي أمام الباب؟ ولماذا فقدت الوعي؟ وأين أنا الآن؟

أسئلةٌ جالت في رأسي بسرعة البرق بينما رحتُ أرتشف القهوة بجرعات كبيرة، لعلها تُسكت ضجيج الألم في رأسي.

الدخول نحو المجهول

بعد أن أنهيت قهوتي ووضعت الكوب على الرف الخشبي، بدأ يتبخر، راقبته بدهشة كبيرة حتى ذاب بشكل نهائي، فلم أستوعب كل هذه الأحداث الغريبة التي أمرّ بها، فنهاري كله عجائب وغرائب.

بدأتُ أشعر بالمقعد يتحرك ويدور بي، حتى أصبحتُ بمواجهة الرفوف الفارغة. لحظات،وتباعدت الرفوف عن بعضها، وتشكل من فراغها سواد قاتم، فشعرتُ وكأني أسبح في الفراغ، وشدتني كتلة هوائية كأنها تبلعني إلى جوف هذا الوحش الأسود، وبدأت تزداد سرعتها بشكل تدريجي، حصل كل ذلك وأنا مسمرٌ على هذا المقعد، فأحسستُ أن الوقت قد توقف، وأنني فقدتُ حاسة السمع، وفجأة تجمد مقعدي، وظهرت أمامي شاشة ضخمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »