ادبياتعيون خاصة

OXY : نهاية كوكب الأرض- الحلقة الثانية  – الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

 

الكاتبة كارينا أبو نعيم

“إيلينا” و”جيمي”

ترجّل “جيمي” عن دراجته الطائرة وركض صوب والدته التي كانت قد أقبلت إليه وهي تحمل كوباً من شرابه المفضّل. بدأ يقفز أمامها و يضحك ويصرخ :”عصير…عصير… إنّه لي…ماما اعطيني إياه”. حضنته والدته وقبّلت جبينه وهو يصارع بين يديها يريد أن يخطف الكوب منها.

أعطته الشراب  فتركها وهرول نحو دراجته غانماً، سعيداً ومنتصراً. راقبته وهي تبتسم لشقاوة هذا الكائن الصغير. فلولا وجوده في حياتها كادت أن تفقد  صوابها. توجّهت إلى المقعد المشرف على بركة السباحة، وجلست عليه لتبدأ رحلة تناولها الفيتامين D مباشرة من خلال فلترات أشعة الشمس المنقاة. تناولت لوحة التحكّم وأدارت الشاشة العملاق فتحرّكت وتقدّمت في اتجاه المكان الذي تجلس فيه.

لم تكن “إيلينا” اليوم في مزاج للتواصل مع أصدقائها الممثلين في مواقع الأفلام المباشرة. حاولت البحث في المكتبة الرقميّة – السمعيّة عن كتاب مشوّق تسمعه، وتتفاعل مع تفاصيله الدقيقة، وتتماهى مع شخصيّاته علها تخمد من خلاله  لجج البركان الذي يغلي في صدرها.

رغم التحسّن الكبير في امتصاص جسدها للفيتامينات، غير أنّها بدت شاحبة الملامح. لم يتّصل بها “رافي” البارحة ليؤكّد موعد  عودته. قال لها في المكالمة الأخيرة إنّه آتٍ خلال يومين وينتظر إذن المغادرة. مرّ أسبوع على هذا الكلام ، ولم يرد  منه أيّ خبر جديد.

إنّها المرّة الاولى التي تشعر بها بانقباضٍ شديدٍ وقلقٍ عارمٍ، وهي خائفة من هذا الشعور الذي تملّكها منذ الصباح.

تسمّرت أمام الشاشة تحاول أن تبعد عنها الأفكار السوداء. وبدأت تبحث في أروقة المكتبة العلميّة والفضائيّة عن المشاريع التي نفّذها زوحها مع الهيئات الحكوميّة. كان في نهاية كلّ مشروع  يرسل لها فيلماً موثقاً حيّاً لكي تتشارك معه في ما يقدّمه من إنجازات لوطنه، ولكي تحتفظ به في ارشيفهما الخاص  كي يراه ابنه حين يكبر ويفتخر بأبيه العالم الكبير.

عانت “إيلينا” كثيراً من غياب زوجها ، خاصّة منذ أن وضعت  مولودهما الاوّل. لم تتقبّل بادئ الأمر، فكرة سفره، وابتعاده عنها لعدّة أشهر. كان “رافي” واضحاً معها منذ ارتباطهما حول سرّيّة عمله. كانت مهمّاته في البداية داخل البلاد، لكنّه ومنذ أكثر من أربع سنوات ازدادت أسفاره، وطالت فترات غيابه حتى وصلت الى ستة أشهر متواصلة.

لم تخالف “إيلينا” يوماً العهد الذي قطعته لزوجها حول السرّيّة المطلقة وعدم طرح الأسئلة. فهي لم تشكّ يوماً بوفائه لها.

في المقابل، ورغم تكتّم “رافي” حول نوعيّة عمله والمسؤوليّة الملقاة على عاتقه، إلّا أنّه  حين يعود من مهمّاته الشاقّة يحاول  بشتى الوسائل  أن ينسيها فترة غيابه الطويلة. وحين تلقّى خبر حمل إيلينا لم يتحمّل فكرة أن يكون بعيداً عنها.

مازالت تتذكّر تفاصيل ذلك النهار الرائع. مضت سنوات خمس على هذا الحلم الجميل حين ظهر زوجها المسافر فجأة، بعد انتظار طويل وخوف شديد من الولادة ومن دون أن يتمكّن من مشاركتها هذا الحدث العظيم لحظات خروج  ابنهما الى الحياة.  لكنّها اليوم، تشعر ببرودة تسري بعروقها وكأن الجليد تسرب إلى شرايينها واحتلّها….وهي خائفة جداً من أن تعترف بالسبب.

تشيكو” وحدة الذكاء الإصطناعيّ

بقيتُ طوال النهار، بعد أن ظهر لي هذا الخبر العاجل المخيف واختفى فجأة، أتنقّل بين المنصات المرئيّة والمسموعة لعلّني أمسك بأيّ طرف خيط. أيعقل أن يكون ما رأيته مجرد تشويشات بصريّة نتيجة عمليّة زرع القرنية التي خضعت لها على أثر الحادث الذي أدّى إلى فقداني البصر؟.

مضى على العمليّة أكثر من ستة أشهر استعدتُ من خلالها بصري شيئاً فشيئاً، بعد أن تآلفت القرنيّتان المستنسختان والمزروعتان مكان السابقتين. لا أنكر أنّني ما زلت في مرحلة التعافي لكن المؤكّد أنّ العمليّة نجحت ولا يوجد  حتّى نسبة واحد في المئة من أي تضاعفات سلبيّة.

بعد أن فشلتُ في إيجاد معلومة حول الخبر الذي وصلني صباح اليوم، توجّهت إلى منصة الإعلام الإلكترونيّة، وهي وحدة متفرّعة من مجموعة منصات تديرها مجموعة الذكاء الإصطناعيّ، كانت الشبكة الإعلاميّة التي أعمل فيها قد انتسبت إليها منذ ما يقارب العقدين من الزمن. هذه المنصة متخصّصة في حلّ القضايا المعقدة والجرائم الكبيرة وفيها مركز لاستقصاء المعلومات السرّيّة، ويمكنها أن تزوّدك بكافة الملفات وتقدّم تحليلات وتعرض حلولاً لقضايا غامضة.”تشيكو” هي اسم وحدة الذكاء الإصطناعيّ  المسؤولة عن منصتنا الإعلاميّة. تتمتّع هذه الوحدة بتفاعل مثير جداً. نعم، كنا قد دخلنا في عصر أنسنة الروبوتات والذكاء الإصطناعيّ. فلم يعد الأمر محصوراً في المختبرات العلميّة ولا في مراكز صناعة التكنو- نانو ولا في المستشفيات والمطارات. أصبح لدينا في كلّ مراكز العمل والمهن تقريباً وحدات ذكاء اصطناعيّ ترافقنا طوال ال 24 ساعة.

لم تعطني “تشيكو” إلا بعض المعلومات العامّة عن البرامج الأمميّة في مجال الدمار الشامل و الاسلحة والتكتيكات الموضوعة لمجابهة هكذا كوارث. انتقلت إلى البحث في الملفات المصنّفة “سرّيّ للغاية “. وبالرغم من امتلاكي التفويض الذي يسمح لي الولوج إلى عدد محدّد من تلك الملفات السرّيّة والخطيرة ، غير أن “تشيكو” قد رفضت طلبي وأخرجتني من البرنامج وحظّرت حسابي لمدّة سنة.

تفاجأت من هذا الحظر وحاولت مراراً الولوج إلى منصة مجموعة الذكاء الاصطناعيّ لاعتقادي أن خطأ ما قد أصاب هذه الوحدة جعلها تتصرّف على هذا النحو.

اتصلتُ بمقرّ المبرمجيين علّني أستفيد من خبراتهم في هذا الموضوع. تبيّن لي أن شبكة الاتصال بهم خارجة عن الخدمة مما رفع من منسوب التوتر عندي.

توجّهت ُ إلى مكتب المدير وعرضتُ عليه الوضع. أكّد لي عدم معرفته بأيّ شيء، لكنّني شعرت أنّه كان متوتراً على غير عادة. “ربما كان ما شاهدته خطاً تقنياً”  أردف قائلاً. وتركته وعدت إلى المنصة وحاولت مجدّداً الولوج إلى حسابي لكنّني وجدت أن تصريحي لم يعد فاعلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »