ادبياتعيون خاصة

الحلقة الأخيرة من نهاية الكسوف _ الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

أصبح المختبر شبه خالٍ، لكن الهواء كان مشحونًا بالطاقة، كما لو أن كل جزء فيه يعرف أن النهاية قد حانت.

وقف الرائد رامز أمام لوحة التحكم، عيناه تحدقان في البوابة الصغيرة التي لم تُغلق أبدًا منذ العبور الأول.

سارة بجانبه، الأطفال نائمون، لكن نبضاتهم متزامنة مع خطوط الطاقة التي تتناغم في المكان.

ثم، فجأة، ارتجفت الأرضية، وامتلأ الفضاء بضوء أزرق وأخضر متشابك وخرج من الظلام وميض قوي… ظل وليد. لكن هذه المرة كان كاملًا، ليس انعكاسًا، ليس جزءًا من اللامكان… بل نسخة من كل ما مرّ به، كل عبور، كل انعكاس، كل مواجهة مع الظلال.

ابتسم رامز، لكنه لم يقل كلمة. كل شيء أصبح واضحًا:

كل عبور لم يكن مجرد انتقال، بل تجربة لتشكيل نسخة قوية من وليد  قادرة على البقاء في أي طبقة من اللا مكان، لكنها أيضًا مرتبطة بالعالم الواقعي.”

ظهرت الظلال مرة أخرى، لتتشكل كأمواج حول وليد، تحاول جذبه إلى اللا مكان. لكن وليدًا رفع يديه، وخرج شعاع أبيض من قلبه، يقطع كل الظلال، ويمسح آثار كل عبور سابق.

وبينما كان سارة تراقبه، شعرت بدفء طاغٍ يغمر المكان، وكأن كل خوف، كل فقد، كل ألم… يتم شفاؤه دفعة واحدة.

تحدث وليد بصوت هادئ لكنه قوي:

الآن… يمكننا إنهاء الكسوف. لكن النهاية لا تأتي بلا ثمن… وثمنها دائماً هو الوعي بما كان.”

ضغط الرائد رامز على مفتاح الإغلاق النهائي للبوابة …إنطفأت الأضواء تدريجيًا. اختفى الضوء الأزرق والأخضر، وترك المختبر في هدوء مطلق لأول مرة منذ الأيام الماضية.

 

نظرت سارة إلى وليد. كان واقفًا، مبتسمًا، كاملًا، حيًا، لكنه يحمل في عينيه ذكريات كل عبور، كل انعكاس، وكل ظلال واجهها.

قال وليد:

انتهى الكسوف… لكن ما تعلّمناه، وما نُسي، وما احتفظنا به في ذاكرتنا… هو ما سيظلّ يرافقنا دائمًا.”

ابتسم الرائد رامز وقال:

ربما لم نفهم كل شيء… لكننا نجونا، وهذه بحدّ ذاتها بداية جديدة.”

أمسكت سارة بيد وليد، ثم رفعت نظرها إلى الشاشة التي كانت تعرض آخر بيانات البوابة… وظهرت عبارة خافتة، مكتوبة بخط أبيض على الخلفية السوداء:

اللا مكان لا يرحّب بمن يعود… لكنه يحتفظ بأثر كل من عرف طريق العودة.”

خرج الجميع من المختبر، وكل خطوة على الأرض تردد صدى جديد: صدى عبور انتهى، لكن صدى الذكريات، صدى الظلال، وصدى الوعي… بقي حيًا، كأن اللا مكان نفسه أصبح جزءًا من عالمهم، في انتظار أن يُكتب فصل جديد…

وآخر لمحة كانت لوميض في الأفق، بعيد، بعيد جدًا… صورة وليد، تختفي ببطء في ضوء شمسٍ جديدة، بينما يسمع همس خافت يردد:

“انتهى الكسوف… لكنني ما زلت هنا.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »