

الكاتبة كارينا أبو نعيم
(مقال مستوحى من الصراعات النفسيّة لشخصيّات مسلسل “آسر” الذي يُبث على منصّة “شاهد”)
الانتقام لم يكن يوماً الطريق إلى التشافي. فمن سبّب لكَ تلك الجروح العميقة في النفس لا تنفع معه مقولة “وداوها بالتي كانت هي الداء”.
إنّ رحلة التشافي تحتاج إلى طقوس مختلفة. ربما تكون صعبة لكنّها ناجحة.
لن تندمل جراحك مع مرور الوقت، إلّا بعد اجتيازك لذلك النفق الطويل والمرير والمؤلم. عليك أن تصارع أوّلاً نفسك، وثانياً نفسك وثالثاً ورابعاً والخ….
المعركة الحقيقية هي مع الذات. هي أن تقف وتواجه داخلك أمام مرآة الحقيقة. أن تعلن خضوعك للأمر الواقع، وتحدّد خسارتك، وتكشف عن جراحك، وتتعلّم أن تضمّدها بنفسك من دون مساعدة أحد. ثمّ تنتقل إلى المرحلة الثانية وتتقبّل الهزيمة وكُلّكَ إيمان أن عدم فوزك في معركة لن يؤدّي إلى خسارتك الحرب. تتطلّب الحرب منك شجاعة فائقة تصل في بعض الأحيان إلى أن تندهش من قوّتك الداخليّة. تُعلمك الجراح والطعنات والخيانات فنّ التخلّي. تُجبرك أن تقسو، أوّلاً على نفسك، ومن ثمّ تُدرك الحقيقة الدامغة أنّ رهانك الوحيد هو الفوز بالحرب في النهاية.
لن ينفعك الإنتقام وأنت سائر على درب التشافي.
التخلّي والخذلان يُعطيانك الدافع الأكبر لتُعيد البناء من داخلك وخارجك. المهم أن تعترف أنّك خسرت، وأن ما ممرت به كان جولة واحدة من المعارك العديدة. إنّ التصالح مع الذات مطلوب ولن يأتي بسرعة. تمر بمرّاحل عديدة ومريرة وستعيش ليالٍ مظلمة لا نوم فيها يتآكل ساعاتها القلق.
ستضعف وتنهار. لكن، في كلّ مرّة تقف بها مجدّداً ستشعر بطاقة أكبر تشحنك وتدفع بك نحو تحقيق الهدف: التشافي… ثمّ التشافي إلى أن تصل إلى مرحلة تسقط أمامك كلّ الأقنعة وتنزاح عن بصيرتك وبصرك الغشاوة، و تبدأ تنظر مجدّداً إلى الأشخاص والأماكن والقرارات بمنظور مختلف… سيُدهشك.
يخدمنا الوقت في إعادة اكتشاف ذاتنا ويفسح لنا المجال للتعرف إلى أنفسنا من جديد، فنبدأ تقبل ما أصبحنا عليه بعد أن طحنتنا الخيانات والتجارب المريرة والمصاعب والكوارث. تلقائياً ، نكتسب المناعة ضدّ الحزن والإفراط بالعطاء وعبثيّة المشاعر فنتوازن رويداً رويداً في انتظار ولادة نسختنا الجديدة.
ستبدو التغييرات التي تُصيبنا مشوشة للآخرين. لن يتفهّم العديد منهم أن ما أصابنا هو من جراء ما فعلوه بنا. لن يصدقوا أنّنا تغيّرنا حتّى يُصدموا بما أنتج خذلانهم لنا من شخصيّة جديدة.
لن يكون الإنتقام من ضمن أجندة هذه النسخة المُنقحة. إنّ الانتصار الحقيقيّ أن تُثبت لنفسك أوّلاً أنّك نفس حرة لا يملكها إلّا خالقها، وأّن الحياة لا تقف عند غياب أو خيانة أو تخلّي أشخاص عنك، وأنّ رحلتك مستمرة فيها طالما أنّك تتنفس وتملك نعمة الأحلام ، وأن تقتنع أنّ لا شيء مستحيل حين تقرّر أن تتعلّم العيش من جديد.
