

الكاتبة كارينا أبو نعيم
لم تكن الليلة عادية. تسلل الضباب إلى المختبر رغم أن جميع الممرات محكمة الإغلاق،
و أصدرت الأجهزة طنينًا خافتًا يشبه تنفّسًا متقطّعًا من كائن خفيّ.
جلست الدكتورة سارة أمام شاشة المراقبة، تحدّق في المخطط العصبي للطفلين النائمين.
بدأت الخطوط الهادئة تتذبذب ببطء… ثم رسمت فجأة توقيعًا كهربائيًا مطابقًا لتوقيع وليد العصبي.
حدّقت في الأرقام، لم تصدّق.
قالت بصوت خافت:
“هذا مستحيل… هذه بصمته هو.”
على إحدى الشاشات ظهر ظلّ بشري للحظة، ظلٌّ بلا ملامح، يقف إلى جوار السرير، قبل أن يختفي.تجمّدت سارة في مكانها.
في اليوم التالي، خلال المراجعة الصوتية، سمعت شيئًا لم يكن هناك من قبل بين نبضات الأجهزة، تداخل صوت عميق يقول همسًا:
“سارة… لا تغلقي البوابة.”
ارتجف جسدها. أوقفت التسجيل وأعادته مرارًا، لكن الصوت لم يعد يُسمع.
فقط في تلك اللحظة الأولى كان واضحًا، وكأنه خرج من خلف الزجاج مباشرة.
دخل الرائد رامز وهو يحمل تقارير جديدة.
قال:“نظام المراقبة أظهر نشاطًا في الحقل الكهرومغناطيسي الليلة الماضية. هل كنتِ هنا؟”
أومأت برأسها.
“نعم. لكن… كأنه يحاول العودة.”
قطّب رامز حاجبيه:
“من؟ وليد؟”
قالت بعد صمتٍ قصير:
“لا أعلم إن كان هو… أم شيء يستخدم صوته.”
في تلك اللحظة، انطفأت الأضواء فجأة، وأضاءت الطوارئ الحمراء الغرفة بوميض متقطع.
من مكبّر الصوت، انبعثت أصوات مشوَّهة، خليط من همسات وأنين ونبضات.
ثم وسط كل ذلك، جملة واضحة، كأنها خرجت من أعماق اللا مكان:
“العبور لم يُغلق… والظلال وجدت الطريق.”
ارتفعت الحرارة فجأة، والزجاج المواجه لغرفة الأطفال تكسّر من تلقاء نفسه.ركض الرا ئد رامز نحو اللوحة المركزية، يحاول إيقاف النظام، لكن كل الشاشات عرضت في اللحظة نفسها صورة واحدة، وجه وليد. كان شاحباً، وعيناه مثل دوّامتين من الضوء، يتمتم بشيء لا يُسمع.
اقتربت سارة بخطوات مرتجفة، وفي اللحظة التي همّت فيها بلمس الشاشة، تغيّر وجه وليد إلى ظلّ داكن، ابتسم ببطء،ثم كتب على الزجاج من الداخل:
“أنا هنا… ولكن لستُ وحدي.”
انقطع التيار، وساد الصمت.
لكن في الممر الخلفي، حيث لا توجد كاميرات، تحرّك ظلّ بشري على الجدار اتجه نحو غرفة العمليات القديمة…نحو البوابة التي لم تُغلق أبدًا.
