فنجان قهوة على شرفتي – كارينا ابو نعيم


كارينا ابو نعيم
أحب كثيراً ،حين يسمح لي الطقس، أن أخرج وأشرب فنجان قهوتي على الشرفة المطلة على البحر الأزرق، الحاضن في مياهه عدد من الجزر لكل واحدة منها حكاية وتاريخ.
في العادة، أضع صينية القهوة على تلك الطاولة البيضاء، وأسترق النظر في حال كان أحد الجيران في المبنى المجاور لنا جالس على شرفته، أحييه تحية الصباح وأنصرف الى طقوسي الخاصة.
أعتبر تلك الدقائق العشرين التي أقضيها مع نفسي أحتسي خلالها المُر من فنجان قهوتي، الفاصل المهم ما بين فترة الموت المؤقت واستعادة النشاط والحياة والانطلاق الى ضجيج المعارك. كنتُ ألحظ من وقت إلى آخر، جاري عواد وزوجته الأجنبية جاكلين، كما يطلقون عليها أهل الحي، يجلسان على شرفة منزلهما يشربان قهوتهما الصباحية بكل فرحٍ وحبٍ.
كان عواد دائم الحركة يقف ويجلس كأنه يمثل مشهداً معيناً، أو يشير بيده نحو الأفق كطفل فرح بطيارة الورق السابحة في هذه الفسحة الواسعة، أو ينشغل بصب المزيد من القهوة في فنجان زوجته ويتحدث إلى جاكلين من دون توقفٍ، وهي جالسة قبالته كطفلةٍ صغيرةٍ سعيدةٍ حدّ القناعة أن لا شيء يضاهي تلك الحياة وهذا الاستقرار.
في كل اللقاءات الصباحية التي جمعتني بهما، كان المشهد عينه يفوح منه الفرح والحب. تساءلت مراراً بيني وبين نفسي:” كيف يمكن لشخصين من بيئاتٍ مختلفةٍ وعاداتٍ لا تتطابق أن يتفاهما؟ .” جاكلين لا تتقن اللغة العربية على الرغم من أنها تعيش بيننا منذ عشرات السنين. حتى عواد فهو لا يتمتع بمؤهلاتٍ ذات أهميةٍ، تعرف إليها في إحدى الرحلات حيث كان يعمل على متن باخرةٍ للشحن توقفت في إحدى موانئ اوروبا بعد حدوث عطلٍ كبيرٍ في محركها، ومكث كل أفراد الطاقم مدة شهرين؛ تعرف خلالهما عواد الى جاكلين في إحدى الزيارات التي قامت بها مع المنظمة الانسانية التي كانت تعمل معها. واشتعل الغرام من النظرة الاولى، فكيف لهذا الغرام أن ينمو ويكبر من دون أن تغذيه لغةٌ مشتركةٌ بين الاثنين؟ ففي لغتنا العربية بستان من المفردات في التحدث أو الغزل أو كلمات الحب أو الغضب
أو الفرح، تعابير وكلمات لا تحتويها اللغات الأخرى كما تفعل لغتنا الغنية والجميلة.
في كل مرةٍ، أرى عصافير الحب تهاجمني تساؤلاتٌ عديدةٌ وأهمها بأيةٍ لغةٍ يتحاور عواد مع زوجته جاكلين؟
قرأت مرةً أن الحب لا يحتاج إلى لغةٍ كي يُعبر عن نفسه، فللعيون لغةٌ، ولليدين لغة ٌوالقلب يتقن كل اللغات وأصعبها….لكن هل هذا كافٍ للتفاهم وللتحاور وللاستمرار؟
