ادبيات

يوميات كاتبة ناشئة 2022- الحلقة الخامسة -كارينا أبو نعيم

كارينا ابو نعيم

يوم عاصف بإمتياز…حرارة متدنية جداً…مطر غزير وكتل هوائية آتية من القطب المتجمد….
أنهيت طعام الغداء وركنتُ الى المطبخ أشعل النار تحت “الطنجرة” المتربعة على الغاز كي تغلي المياه فيها، فيرسل بخارها القليل من الدفء داخل هذه الثلاجة، ريثما أستعد لتنفيذ “القصاص” اليومي، الجلي، خاصة في هذه الايام الظالمة والباردة حتى الموت.
سمعتُ أصوات سيارة الإسعاف تخترق فضاء الحي عندنا، وتمزق أبواقها ستار صمتي وسكوني، ركضتُ نحن الشرفة كي أعرف سبب “زيارتها” ودخولها المفاجئ والسريع، فأيقنتُ أن هناك حالة حرجة وخطيرة يتم نقلها الى المستشفى.
آه…آه… كم أكره سيارات الإسعاف وأصواتها وأضوائها .يرتعب قلبي في كل مرة أرى فيها سيارة اسعاف تسابق الوقت، وتلبي نداء الواجب لأنها تعود بي الى ذكريات قاتلة حاولنا جميعنا ،بعد الحرب، دفنها في مقابر النسيان. قاسينا الحرب والويلات طوال سنوات عديدة.
أكره سيارات الاسعاف وأصواتها وأضواءها لأنها تسرقني الى ساحات الحرب، وأصوات المدافع والانفجارات وأزيز الرصاص الذي يهطل اينما كان وبغزارة، وصور الضحايا والقتلى والأشلاء، أكره سيارات الاسعاف لأنها تعيدني غصباً عني لاشاهد بلحظات شريط الأحداث، وما أصابنا من تهجير وتهديد وخطف وقتل وتفجير. تعيديني الى سنوات قضيناها نتنقل من مستشفى إلى آخر، تحت القصف والخوف من الخطف والتصفية الجسدية، لنطمئن على أفراد من عائلتنا التي تطايرت في الانفجار الكبير، وتناثر منها بعض الاطراف والاشلاء ،وبقيت سنوات في سرير العذاب تقاوم الموت…
لكل تلك الأسباب أهرب من تلك السيارات لأنها تفرض علي إعادة فتح الجروح خاصة انني نقلتهم جرحى، ولا أعلم إن كانوا ما يزالون على قيد الحياة…. وانا لم اتجاوز وقتها الثانية عشرة من عمري….
أنا أكره الحروب وأكره ذاكرتي اللعينة التي لم تفهم يوماً أن تتحايل على الصور وتنسى تلك الاوجاع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »