ادبيات

لمن أهدت ريما بالي “خاتم سُليمى”؟ – كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم


لا يمكن إلا أن تتورط مع ريما بالي في الإنسياق وراء حكايات شخصيات وأبطال رواياتها الساحرة والإستثنائية.
حجزت ريما بالي منذ صدور روايتها الأولى”ميلاجرو” مكاناً مميزاً ، لتعود وتؤكد في روايتها الثانية الرائعة “غدي الأزرق” أنها ماضيةٌ بإصرار وتحدٍ كبيرين في مشوارها الأدبي الراقي والهادف والمتحرر من دون تطرف .
صدرت الرواية الثالثة للكاتبة تحت عنوان “خاتم سُليمى”،خلال العام 2022، وجاءت بنكهة مميزة وساحرة وعابقة بالأحلام والأمنيات .تضج صفحات الرواية بالحياة والأحداث والشخصيات والرسائل وكثير من “النوستالجيا”، خاصة لمدينة حلب وما تمثله في وجدان الكاتبة وذاكرتها وبطلة روايتها في الوقت نفسه. تفوح من حياة أبطال الرواية روائح الحب والعشق والألم والخيانة والحرب والضياع والتردد والخوف والانكسار والهزيمة والكثير من مواقف تلامس قضايا إنسانية واجتماعية ودينية في مجتمعنا الشرقي.
في كل باب من أبواب الرواية الممتدة على ما يقارب الـ 300 صفحة، تعيش مع أحد أبطال “خاتم سُليمى”، وتغرق معه في تفاصيل حياته، حتى تفقد إحساسك بالواقع، وتصبح طرفاً متورطاً تراقب وتندفع وتركض هنا، وتلاحق الأبطال هناك، وتسافر معهم وتعشق معهم وتبكي وتضحك وتطرب وتخاف ،ويعتريك شعور رهيب أنك تتجول في حارات وأزقة “حلب” و”روما” و”توليدو” ، وتقتحم جلسات الابطال وتشاركهم في كل شيء.
لا تخلو القصة من وجع الحرب في سوريا و ألم الذكرى و قساوة ما حدث و ما آلت إليه النفوس البشرية التي كشرت عن أنيابها الطائفية والمذهبية واللانسانية في هذه الحرب المدمرة.
حتى “شمس الدين”، المستشرق وعازف الموسيقى الإيطالي الجنسية واسمه سيلفيو كارلوني، الذي زار المدينة فوقع في غرامها ، فعاد إليها كشمس الدين كارلوني وأسس فيها فرقة موسيقية تقدم التراث الحلبي الاصيل و الألحان الصوفية الشرقية ضمن حفلات راقية، حتى هو لم يسلم من عشق هذه المدينة. هناك في حلب ، تعرفت إليه “سيلين”، بطلة القصة، ووقعت في غرامه منذ اللحن الأول. فبدلت إسمها لتصبح “سلمى” بدل “سيلين”، كما فعل شمس الدين. وبعد أن تعمقت العلاقة بين “شمس” و”سُليمى”، كما كان يناديها ، وبعد اقدامها على الإعتراف له بحبها، طلب منها شمس الدين ضمن تحدٍ قبلت به سلمى، أن تعود بعد سنتين لتلتقي به ،تقرأ خلالهما كتاب أشعار جلال الدين الرومي وتبحث عن الحقيقة ، وعندها سيعطيها الجواب عن سؤالها إن كان يبادلها الحب أو لا.
وهكذا، هامت البطلة بين إصرار هذا الرجل الذي يبكرها بسنوات عديدة لكنها غارقت في حبه، وبين نداء العقل في إكمال حياتها ونسيان أمره. لم يمنعها هذا من حضور كل الحفلات التراثية والطربية والصوفية التي كان يقيمها شمس الدين في بيته بمدينتها الحبيبة حلب.. ولم يصدها تمنعه عن إهدائه خاتم سليمان الذي صممته ونفذته هي بنفسها ، فأهدته خاتماً و صنعت لها خاتماً توأماً ثانياً وضعته في إصبعها ولم يفارقه منذ تلك اللحظة. بنت “سلمى” أسطورة وهمية حول هذا الخاتم ،وأقنعت نفسها ومن حولها أن من يضع هذا الخاتم فهو يعلم بكل شيء.
دخل “لوكاس أورتيز بيريز”، المصور الإسباني الشهير، حياة سلمى من باب الصدفة. زارها في محلها بمدينة حلب واشترى منها التحف الشرقية التي نقلها معه الى بيته في اسبانيا وزين بها كل أرجائه. منذ اللحظة الأولى، سحرته سلمى وبقي اسير غرامها على مدى السنوات التالية. عرفت علاقتهما المد والجزر، الهجر والبعاد التردد والخوف ، لكن على الرغم من كل هذا ، بقي بينهما رابط خفي لكنه قوي جعل الأقدار في النهاية تتغير وتتبدل.
تكلمت “ريما بالي” بحب وعشق عن مدينتها حلب، ووصفت سحرها وتاريخها وبيوتها وأزقتها وحجارة قلعتها وناسها وثقافتها وإختلافها. اضاءت الكاتبة على ما مثلته حلب و عن موقعها الثقافي ودورها الفني و انفاحتها و حضنها لكافة الاديان والطوائف. فسلمى هي إبنة الدكتور سامح العطار ،والده الحاج عبد الله العطار أشهر عطاري أسواق حلب. ووالدة سلمى هي جانيت خوري إبنة عائلة حلبية مسيحية تحدت كل التقاليد وهربت وتزوجت سامح العطار وهاجرت معه الى فرنسا وعاشا هناك وبعد سنوات عادا الى أرض الوطن قبل اندلاع الحرب في سوريا.
خصصت ريما بالي مساحة مهمة لوصف الحرب السورية و أعطت الكثير من تفاصيلها وصوبت ما خلفته هذه الحرب من شرخ كبير بين أبناء الوطن واولاد المدينة الواحدة. حلب قبل الحرب و بعدها والفرق يدمي القلب.
احداث مشوقة وآسرة …. تطورات عديدة في حياة كل بطل …. شخصيات ساحرة وأجواء رائعة …وبين الحقيقة والبحث عنها وبين الواقع والخيال تبقى حقيقة واحدة لا منازع لها : نجحت ريما بالي مرة أخرى أن تسرقنا من واقعنا وتخطفنا معها في رحلة سلمى و لوكاس وشمس الدين …..
ويبقى السؤال:لمن أهدت ريما بالي “خاتم سُليمى”؟

كاريناأبونعبم

خاتم_سُليمى

ريما_بالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »