حارسة الكتب- الحلقة الأولى- كارينا ابو نعيم


غادر سليمٌ مكتبه مسرعاً بعد أن وصلته رسالةٌ على هاتفه المحمول، وتوجه نحو الصالة الرئيسة للمكتبة. كانت سامية، مسؤولة الأرشفة والمديرة التنفيذية في المؤسسة ، واقفة ًفي البهو العام تتأبط ملفاً أزرق وتمسك بهاتفها، وتتفحصه بين الحين والآخر بقلقٍ ظاهرٍ. لم تعتد أن يطلبها المدير العام في هذا الوقت المبكر، فمنذ أن تولت منصبها، جهدت على أن تقدم الأفضل من الخبرات التي اكتسبتها في مجال إدارة المكتبات والأرشفة.
لم تحظ بعملها في مؤسسة ومكتبة ودار نشر “تريبوليتان” بمحض الصدفة. فهذه المؤسسة العريقة التي بناها سامي لطفي، إبن مدينة طرابلس، في أوائل القرن العشرين، كانت عبارة ًعن صرحٍ ثقافيٍ مؤلفٍ من طابقين، بجوار مسرح الإنجا في منطقة التل، في قلب طرابلس النابض بالحياة. حول السيد لطفي الطابق الثاني من هذا الصرح إلى ملتقىً ثقافي ٍوأدبيٍ، رواده من أدباء وشعراء ومثقفي المدينة. كان سامي مفتوناً بالأدب والشعر. عُرف عنه نهمه الشديد للقراءة وولعه بشراء الكتب التي كان ينتظر أن تصله شهرياً عبر شركة الشحن التابعة لمحطة القطار في مدينة الميناء. ومع الأيام كون مكتبةً تضم أعداداً هائلةً من الكتب بلغاتٍ مختلفةٍ فرنسيةٍ وانكليزيةٍ وإلمانيةٍ وروسيةٍ وفارسيةٍ وعربيةٍ. اهتم كثيراً بإقتناء الكتب النادرة والمخطوطات القديمة، وسعى إلى شراء أعداد منها خصص لها القبو السفلي الواقع تحت مبنى المؤسسة الثقافية، وجهزه مع خبراء إيطاليين في حفظ المخطوطات استضافهم في طرابلس، خلال ورشة التأهيل والترميم.
من أهم الرواد الذين كانوا يواظبون على حضور حلقات الشعر وجلسات مناقشة الكتب الأدبية الواصلة حديثاً من مصر أو أوروبا، جاره الثري المشهور، “حارس قصر سيزار”كان هذا القصر متربعاً على الجهة الأخرى من الساحة، والمطل على ساعة التل، وأمامه حديقةٌ متراميةٌ تحولت فيما بعد إلى ما يُعرف اليوم بحديقة “المنشية”.
حافظ سامي لطفي على ديمومة مؤسسته رغم اندلاع الحرب العالمية الأولى، ودخول لبنان بعد ذلك تحت حكم الإنتداب الفرنسي. تحول “قبو المخطوطات” إلى المركز السري لعقد الاجتماعات من قبل كوكبةٍ من النشطاء الرافضين للإنتداب الفرنسي، وشكل محطة أمانٍ ونقطة انطلاقٍ أيام النضال لنيل الاستقلال لبعض الشخصيات التاريخية المعروفة، ولعب دوراً كبيراً في استضافة قادة تاريخيين جاؤوا إليه سراً طالبين الحماية. فلهذا القبو ميزاتٌ عديدةٌ، أولها أن من يعرف بوجوده يعتقده مخزناً تابعاً للمطبعة ودار النشر. أما الميزة الثانية والأهم، أن له مداخل ومخارج عدة تتواصل فيما بينها عبر شكبة سراديب تحت الأرض تقود عبر أنفاق سريةٍ إلى مناطق ومدنٍ بعيدةٍ جداً عن طرابلس.
