حارسة الكتب- الحلقة الرابعة- كارينا ابو نعيم


وقفت سامية أمام باب الخزنة الفولاذي الضخم وبدت مترددةً في إكمال ما جاءت من أجله. في تلك اللحظة، عادت بها الذكرى إلى اليوم الذي ولجت فيه إلى هذا القبو مع جدها سامي وهي طفلةٌ صغيرةٌ. عاشت تفاصيل هذه المغامرة في خيالها لسنواتٍ عديدةٍ قبل أن تعاود الكرة مرة ًثانية ًالآن وهي المالكة والوريثة الوحيدة لهذا الكنز الذي لا يقدر بثمنٍ.
اعتقدت لسنواتٍ أن هذا “القبو” هو عبارةٌ عن مساحةٍ وجدت لركن كل “الكراكيب”، وبعض من مستلزمات المطبعة ودار النشر. في الحقيقة، لم تدرك ثقل هذه التركة التي فرضت عليها يوم أتمت عامها الواحد والعشرين.
تذكر جيداً ذلك التاريخ حين أرسل لها مكتب المحاماة المولج في إدارة أعمال جدها الراحل ذلك المغلف الذي أطاح بكل آمالها في السفر مجدداً الى لندن والاستقرار هناك.
كيف تنسى 2 تشرين الأول من العام 2008 ؟ كان يوماً خريفياً بإمتيازٍ خطف منها والدتها، وجعلها يتيمةً مجدداً. لعله محكوم عليها أن تخسر كل من تحب باكراً جداً ،وأن تكمل مشوارها وحيدةً. فهي لا تكاد تذكر ملامح والدها الذي غادر هذه الدنيا أثر حادثٍ أليمٍ، وهي صغيرة ٌجداً. لولا وجود جدها سامي وجدتها ماري، لما كانت عرفت ما هي نعمة العائلة.
لعب سامي دور الأب والجد معاً، ولم يترك زوجة ابنه وحفيدته تعانيان من آلام الفقد. لم يسمح “لكنته” أن تستسلم للحزن واليأس، على الرغم من أن المصاب أليمٌ جداً له ولزوجته، غير أنه أقنع “أم سامية” بالعمل معه في دار النشر.
إن فقدان سامي وماري لابنهما الوحيد لم يعوضه إلا وجود سامية في حياتهما. فكان تعلقهما بها أمر لافت جداً جعل طفولة سامية مقيّدة وصارمة نتيجة هواجس وخوف جدّيها على حياتها.
لم تتوقع سامية، وهي التي طالما حلمت بالسفر والعيش في أوروبا، أنها ستصبح الحارسة الشرعية والوحيدة لكنز جدها سامي لطفي. ولهذا “القبو” أسرارٌ لم يعرفها سوى إثنين: سامي، صاحب ومؤسس دار النشر، ومن بعده سامية حفيدته الوحيدة.
لا يمكن لأحدٍ الولوج إلى هذه الغرفة إلا عبر باب الخزنة الفولاذية الضخمة، ومن خلال سلسلة إجراءاتٍ أمنيةٍ معقدة ٍلا يمكن أن يجتازها إلا سامية. جالت بنظرها على محتواياتها. لا تصدق ما تراه عيناها .إنها في متحفٍ يزخر بالكنوز. خالجها شعورٌ غريبٌ ممزوجٌ بالخوف والفضول. تنبهت إلى أن الوقت يداهمها، ولا تملك سوى عشر دقائق قبل أن ينطلق جهاز الانذار وتقوم الوحدة الإلكترونية المتحكمة بالأمن بإقفال المكان بأكمله واحتجازها في الداخل.
أسرعت نحو الرفوف المخصصة لحفظ المخطوطات، ومن خلال اللائحة التي جاءت بها من خزنتها الخاصة، أخرجت رقم الرف ورمزه السري، وطبعته على لوحة المفاتيح المعلقة على زجاج الحماية، وأعادت قراءة الأرقام على الشاشة الصغيرة. وبعد أن تأكدت أن الرقم مطابقٌ
تحرك حائط الرفوف بأكمله وكانت سامية منبهرةً بما بدأ يظهر من خلفه. بعد دقيقةٍ تقريباً، توقف الحائط عن الحركة كاشفاً لسامية هذا النفق الذي ستدخله لمتابعة مهمتها، ولتكتشف من بعدها أن هذه الغرفة ليست سوى المحطة الأولى في رحلة الألغاز التي ورثتها عن جدها.
