حارسة الكتب-الحلقة الخامسة- كارينا ابو نعيم


وصل سامي إلى محطة حلب وانتظر إلى أن استقر القطار في محطته النهائية لهذا النهار، وترجل منه. ما كاد يلج قاعة المسافرين حتى سمع صوتاً ينادي:” أستاذ سامي…أستاذ سامي…”.
تقدم منه شاب في مقتبل العمر، أنيق المظهر جميل الوجه ممشوق القامة. سلم عليه بحرارةٍ، وقبل أن يدخل سامي في دوامة الأسئلة التي بدأت تلوح في فكره، بادر الشاب قائلاً:” أهلا بك أستاذ سامي. كنت في إنتظار حضرتك. معك عبد اللطيف رستم المكلف من قبل شركة التصدير …”
لم يدعه يكمل جملته فقاطعه:” آه …عفواً ..أستاذ عبد اللطيف …كان نهاري حافلاً والرحلة متعبةٌ جداً.”
تبسم عبد اللطيف وأجابه بهدوء:” لا تقلق. سوف نقصد بيت الضيافة التابع للشركة القريب من هنا، وسوف تستريح في غرفتك ريثما يجهز العشاء.”
وصل الرجلان إلى مبنىً حجريٍ حديث البناء تحيط به أسوارٌ من الحديد تحضن خلفها حديقةً ومقاعد وطاولاتٍ خشبيةً أنيقة ًجداً ومتناثرة ًهنا وهناك. حتى الساعة، لم تتضح لسامي الأسباب الطارئة التي جعلتهم يرسلون في طلبه إلى هنا على وجه السرعة.
أرشده عبد اللطيف إلى غرفة الضيوف وتركه هناك ليستريح قليلاً.
تمدد سامي على السرير. فساعات السفر التي قضاها في القطار أنهكته جسدياً وفكرياً. تمنى لو أنه يستطيع أن ينام لساعةٍ واحدةٍ. سوف ينهي المهمة ويعود في الصباح الباكر إلى طرابلس. إنه قلقٌ جداً على سير الأعمال في المطبعة ومن نتائج هذه الزيارة.
سرح في سقف الغرفة المزخرف بأشكالٍ هندسيةٍ على طراز الفن الإيطالي. عادت به الذكريات إلى الوراء، وشعر أنه انتقل عبر الزمن إلى “قبو” مؤسسته حين أقدم على استقبال المهندس الإيطالي الشهير “فرنيتو أنطونيو”، وفريقه المتخصص في عالم الترميم وحفظ المخطوطات. كان سعيداً جداً أنه تعرف على هذه القامة الهندسية الكبرى التي اشتهر صاحبها خاصة بعد فترة الحرب العالمية الثانية في ترميم عدد كبير من المتاحف والاماكن الاثرية التي طالتها يد الحرب. وذاع صيته بعد أن أعدت عنه كبريات الصحف الاوروبية تقارير ومقابلات أجريت حوله ومعه وصفوه من خلالها بحامي التحف والكنوز والمخطوطات التاريخية النادرة وتاريخ اوروبا. لقد أنقذ “فرنيتو” بفضل خزائنه الحديدية الخارقة التي شيدها في المتاحف والاديرة والكنائس ومقرات بعض الدول وقصور الاثرياء، أنقذ وثائق سريةً وتاريخيةً وتحفاً ولوحاتٍ ومخطوطاتٍ نادرةً وكنوزاً لا تقدر بثمنٍ. بعد الحرب، طُلب من هذا المعماري الايطالي الشاب الذي هاجر خلال الحرب إلى الولايات المتحدة وأصبح مواطناً أمريكياً أن إيشيد عدداً كبيراً من الخزانات السرية الضخمة. عمد “فرنيتو” وهو في أميركا الى إنشاء جمعيةٍ تهتم بتقصي الوثائق التاريخية المهمة والمخطوطات السرية النادرة والعمل على تجميعها وحفظها بشكلٍ يضمن سلامتها من أي سرقةٍ أو ضررٍ. كانت محطته في طرابلس من أهم انجازات هذه الجمعية، اكتشف فيها بحراً من الكنوز فساعد سامي في حفظها واخضعه إلى دوراتٍ تدريبيةٍ حول كيفية التعامل مع تلك الكنوز الحساسة دون أن تتعرض إلى التلف أو السرقة. وفي القبو التابع لمؤسسة سامي لطفي، نفذ هذا المهندس الفذ أول نموذجٍ متكامل ٍلخزائن سريةٍ مدفونةٍ في سراديب تعمل على المكننة، ولها شبكة حمايةٍ لا يمكن اختراقها. بعد نجاح هذا النموذج قدمه فرنيتو هديةً إلى صديقه سامي. عشق هذا الإيطالي مدينة طرابلس وحفظها بكل شوارعها وبساتينها ومبانيها وخاناتها وجوامعها وأحجار قلعتها وناسها وبيوتها ونهرها وضفافه. أطلق عليها في مذكراته ” مملكة التاريخ الحي”. استضافه سامي مع فريق عمله واسكنهم بيت العائلة الواقع على صفاف نهر أبو علي. كان ذلك قبل طوفان النهر بسنوات. أوكل سامي مهمة إدارة المنزل الى السيدة جانيت وهي إحدى أقارب والدته جاءت إلى طرابلس واستقرت مع عائلتها بعد الحرب العالمية الأولى وكان والدها يعمل لديه في المطبعة. اشتهرت جانيت في إعداد الأطباق الشهية وفي حسن إدارة المنزل. بعد زواج سامي انتقلت للعيش معهم، واستمرت في العمل لديهم حتى وفاتها.
