ادبيات

حارسة الكتب – الحلقة السادسة- كارينا ابو نعيم

كارينا أبو نعيم


استيقظ سامي على صوت عبد اللطيف يُعلمه أن العشاء أصبح جاهزاً وأنهم في إنتظاره. تحرك سامي مسرعاً لتحضير نفسه، وبعد خمس دقائق كان في طريقه إلى غرفة الطعام. وكان السيد عبد الرزاق يرافقه شخصٌ أخر في إنتظاره على طاولة العشاء التي تزينت بأ شهى الأطباق . تذكر سامي، والروائح الزكية تحاصره من كل الجهات، أنه لم يأكل شيئاً منذ البارحة.
كان عبد اللطيف يشرف على تقديم الأطباق للضيوف بينما كان السيد عبد الرزاق يشرح للرجل الذي برفقته التطورات السياسية الحاصلة في البلاد. غاص سامي في صحنه منعزلاً كلياً عن حديث الرجلين. إنه جائعٌ جداً ولا وقت لديه للمشاركة في تلك الثرثرات.
بعد العشاء، إنتقل الرجال الثلاثة إلى الغرفة المقابلة، وقُدمت القهوة وخرج من بعدها عبد اللطيف وأغلق الباب.
إلتفت عبد الرزاق نحو سامي وقال:” أتفهم تحفظك سيد سامي واشكرك لأنك لبيت الدعوة بأسرع وقت. السيد “زاك” صديق قديم جداً ومكان ثقة مطلقة. “
لم يكن سامي في مزاج يسمح له بالدخول في حوارات وتعارف ومجاملات. تمنى أن يخبره عبد الرزاق بالمطلوب وبإختصارٍ، لأن التعب يفتك بعظامه. بعد أن أشعل السيد “زاك” السيكار الذي قدمه له عبد الرزاق نظر نحو سامي قائلا:” سمعتُ الكثير عنك سيد سامي، وقد أشاد صديقي عبد الرزاق بالحس الوطني العالي الذي تتمتع به، وأخبرني عن التقديمات التي كنت تقوم بها أثناء الحرب وبعد انتهاءها. ولا أخفي عليك سراً، اطلعني أيضاً على موضوع اهتمامك بالمخطوطات النادرة وإمتلاكك لمجموعةٍ نفيسةٍ منها وأنت تحتفظ بها في الخزائن السحرية التي صنعها لك البروفيسور “فرنيتو أنطونيو”.”
نفث دخان السيكار عالياً وأكمل حديثه:” اجتماعنا اليوم له طابعٌ مميزٌ جداً. ربما سيفتح لنا أبواب أعمالٍ مشتركةٍ في المستقبل. لكن في البداية دعني أعرفك بنفسي . إسمي “زاك أنطونيو” إبن البروفيسور”فرنيتو أنطونيو”. بعد أن عاد والدي من بلاد الشام التي قضى فيها العديد من السنوات، أصيب بمرض عضال أقعده الفراش. كانت هذه رحلته الأخيرة إلى الشرق الساحر، بعد أن أصبح عاجزاً عن السفر والترحال. وتوفي بعد ذلك بسنتين. لم يتوقف لحظةً واحدةً عن ذكر السعادة التي عاشها بينكم هنا في بلادكم، في هذا الشرق الذي سحره وعشق كل تفاصيله. وقد ترك لنا مذكراته وهي كنزٌ من الكنوز لأنها عابقةٌ بالأسرار والمعلومات القيمة جداً. هذه المذكرات لم تكن تتكلم عن رحلةٍ واحدةٍ من مغامراته الشيقة ، لا بل قسمها إلى مراحل ، وأدخل إليها تفاصيل كل تجاربه التي عاشها على مدى سنوات عمره. وميز رحلته إلى الشرق بالعديد من التصميمات والصور والتعليقات والملاحظات التي تعتبر هي وحدها قيمةٌ جداً. من الطبيعي أن يذكر فيها تعارفكما سوياً واستضافتك له مع فريق عمله وذكرياته في الفيحاء – طرابلس . وقد سجل يومياً كل ما شاهده وكل من تعرف إليه في مدينتكم. وحين انتقل إلى دمشق ومن بعدها إلى بيروت وثم عاد إلى حلب ، خصص أيضاً شطراً كبيراً من مذكراته حول الناس التي تعرف إليها وخاصة كبار التجار والأثرياء ووجهاء البلد. هكذا ومن خلال مذكرات والدي تعرفت إلى الحاج وجيه رحمه الله، والد السيد عبد الرزاق، واستمرت علاقتنا مع العائلة الكريمة حتى بعد وفاته ، وكبرت هذه الصداقة وأصبتُ بلوثة العشق نفسها ، فأتيت إلى حلب وقصدت دمشق وطرابلس وبيروت على خطى والدي فوقعت في غرام تلك المدن. عشت عشر سنوات تنقلت فيها بين طرابلس – بيروت ودمشق – حلب ، تعلمت خلالها اللغة العربية الفصحى، ومن ثم اكتسبت اللهجة المحلية واشتريت بعد ذلك داراً كبيرةً أقيم فيه حالياً مع عائلتي. “
اعتدل سامي في جلسته وشعر أن نشاطاً غريباً دب في أوصاله. إذن،إنه إبن الرجل الذي أبهره في كل شيء. تبسم لا شعورياً وتذكر البروفيسور “فرنيتو” بقامته الطويلة وشاربه الكثيف جداً والسيكار الذي كان لا يفارقه.
-“إنها مفاجأة جميلة جداً. لوالدك فضلٌ كبيرٌ عليّ وقد قضينا سوياً سنتين كانت من أجمل سنوات عمري. أحب طرابلس كثيراً، وتمنى لو أنه يستطيع العيش فيها خاصة في منطقة نهر أبو علي حيث استضفته في منزل العائلة. كانت المنطقة بأكملها في تلك الفترة من الاحياء الهادئة في المدينة ومن أجملها مناخاً…..”
توقف سامي عن الكلام وسرح في المشاهد التي عادت وهاجمت ذاكرته. قطع السيد “زاك”هذا الصمت المفاجئ ليقول:” تدرك إذن أن والدي كان مهتماً كثيراً بتدوين ملاحظاته، وقد ذكر ذلك في الجزء الأول منها . كانت معه في إيطاليا حين عاد من رحلته الاخيرة. وبعد وفاته اطلعتُ على محتوياتها واكتشفتُ أن لهذه المذكرات ثلاثة أجزاء أخرى، أودعها والدي أمانةً في إحدى الخزائن التي صممها لاحد زبائنه. كانت مهمتي صعبة جداً خاصةً وأنني لم أكن مهتماً بطبيعة عمل أبي، ولم أرافقه إلا نادراً في أسفاره الكثيرة. لذلك لجأتُ إلى اللائحة التي كان يدوّن عليها أسماء الزبائن والأماكن التي كان ينفذ فيها تلك الخزائن. وتتبعتها جميعها وتطلب مني هذا أسفاراً كثيرةً وجهداً كبيراً. إستطعتُ أن أجد الجزء الثاني والرابع من المذكرات. وبقي الجزء الثالث مفقوداً.”
استوقفه سامي معقباً:”إذن، أنت تفترض أن الجزء الثالث من المذكرات ربما يكون في إحدى الخزائن الخاصة بي؟”.
-” الإحتمال كبيرٌ سيد سامي لأن اللائحة التي اعتمدت عليها في البحث لم يبق فيها سوى اسمك.”
_” سيد “زاك” لديّ فضولٌ كبيرٌ والكثير من الأسئلة التي تدور في رأسي أود أن أحصل على أجوبة لها كنقطة بداية.”
نظر “زاك” نحو عبد الرزاق وأومأ له برأسه موافقاً.
تولى عبد الرزاق الإجابة على أسئلة سامي. جاءت أجوبته سريعةً ومقتضبةً، مما جعله يفترض أن في الأمر سراً غامضاً لن يجد له إجابةً عند هذين الرجلين.
أكد سامي أنه سينكب على التفتيش عن المذكرات فور وصوله إلى طرابلس. وسيعلمهما خلال أسبوعٍ إلى ما توصل إليه عبر رسالةٍ اتفقوا على نصها المشفّر. هذا الأمر، زاد منسوب القلق عند سامي، خاصةً وأنه لم يقتنع بالأسباب التي جعلت “زاك” ، إبن البروفسور فرنيتو، يتفرغ لهذه المهمة بعد أن كان زاهداً بعمل والده خلال حياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »