ادبيات

هجرة المطالعة… كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

انكببت لسنوات طوال أقرأ لكبار الأدباء، لا أغفل عن أي شاردة أو واردة أدبية إلا وأحاول اقتناصها وقراءتها.
سافرتُ كثيراً، أحببتُ شخصيات وكرهت آخرين، أُغرِمتُ بأبطال القصص حتى أنني عشت في بعض الأحيان مآسٍ عاطفية، حتى بكيت وضحكت.
قرأت الأدب العربي لتوفيق يوسف عواد وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة و عدد كبير من الكتّاب الآخرين.
أسرني الأدب الفرنسي ، وأعجِبتُ بمجموعات كبيرة من الروايات المعربة من الانكليزية والإسبانية .
كنت مأخوذة بالأدب الخيالي والعلمي منذ صغري مما دفعني الى تصوير بعض الرسومات الغريبة التي ما زلتُ أحتفظ بها في خزانتي حتى اليوم. وطالعت لكبار رواد هذا الفن المبدع، وفتنت بالكاتب الفرنسي جول فرن وباكتشافاته المذهلة والتي أحاول حتى اليوم أن أرصد آخر الدراسات عن أدبه المذهل. فالكابتن “نينو” صاحب تلك الغواصة البحرية في قاع المحيط، مازال يداعب خيالي لدرجة أنني أحسست كأنني وإياه ننغمس سوية في مغامراته البحرية. فأخال نفسي وكأنني ركبتُ أعماق البحار والمحيطات واكتشفت الفضاء وعشت أجمل المغامرات.
عشتُ واقع التجارب وشاركتُ بالتنبؤات العلمية التي طرحها جول فرن في قصصه الخيالية.
غريب هذا العالم الذي لا يترك لنا مفراً!. فإن عالمه الخفي يدخلنا لا بل يحملنا الى عالم وهمّي، إلا أنه يمدنا بشحنات من الطاقة الفكرية والروحية.
ضمن هذا العالم غير المرئي نشعر بالراحة والسرور. ننسى أننا أسيرون لهموم يومية. فتنسحب من تشنجات الحياة بأكملها لترى نفسك أحد أبطال الرواية تعيش بين فصولها وتتنقل من فصل الى فصل بسلاسة وانسياب. أو ترى نفسك في مواقف حرمتك منها الحياة فجعلتك أسير الأحلام والأمنيات فتنفّس عن مكنوناتك الداخلية دون حسيب أو رقيب.
سأل صحافي معروف أحد الكتاب المشهورين المعاصرين في إحدى المقابلات الحية عن سر نجاحه الباهر وانتشار كتبه، فأجابه الكاتب “عندما تتذوق ما تذوقت أنا في حياتي تجد لسؤالك جواباً”.
ويرى البعض أن ردَّ الكاتب يجوز فيه الوجهان، الوجه الأول أنه عاش حياة سعيدة ورغيدة ساعدته على ما هو عليه من إبداع. والوجه الثاني يرى العكس فإن حياة الكاتب التعيسة والشاقة دفعت به لتحقيق ما يتمناه عبر كتاباته القصص والروايات التي أشبعت نهمه المزمن.
إلا أن لكل نجاح ثمناً يدفعه صاحبه طوال حياته .فليس الكمال لأحد. ولا يستطيع أحد أن يمسك المجد من طرفيه. وفي معظم الأحيان يكون الثمن غالياً جداً وقاسياً.
ويأتينا اليوم هنري بوتر ليحيي من جديد تلك النفحة الخيالية في عالم السحر والساحرين وليطرح من جديد جدلية قديمة الصراع بين الشر والخير ضمن عالم من السحر والشعوذة.
لكن المؤسف، أن أطفالنا لم يعيشوا تلك التجارب الرائعة مثلما عشناها، لانغماسهم في فضاء المعلوماتية ومنصات الألعاب الإلكترونية ومواقع السوشيل ميديا التي أخذت مكان الكتاب. واحتلت الألواح والتلفونات الذكية المرتبة الأولى عند المراهقين. وأصبح هوس هذا المراهق تقليد المشاهير والقتال والعنف عبر شاشات الكمبيوتر والألعاب الإلكترونية الشخصية ومتاهات التطبيقات والسوشيل ميديا مما أدى الى تدني عالم الإبداع عند البعض من هذه الفئة. مما لا شك فيه أن عالم الفضاء المعلوماتي يتضمن مساحة للخلق والإبداع والخيال، لكنه يفتقر الى اللذة الفكرية التي يمنحنا إياها الكتاب، والتي يدفعنا من خلالها الى إغناء خيالنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »