ادبيات

شجرة الأحلام_كارينا ابو نعيم…

كارينا ابو نعيم

كيف سأعيش ضمن هذا الضجيج؟ كل شيء يمزق صمت أذنيَّ. كل هذا التلوث  يتسلل إلى داخلهما كالسارق، ليخترق هذا السكون، ويتسرب إلى عقلي، ويتصارع مع أفكاري، وتستنفر منه أحاسيسي وأعصابي الدقيقة، فتصدر أوامرها بإطلاق النفير…

يعم رأسي صداع أليم. ففي رحلتي الأخيرة منذ عشرات السنين، سرقت قطنة صغيرة من غيمة كانت تسبح معي في السماء؛ أنزلتها  وزرعتها في أرض حديقتي الطيبة.

وها أنا اليوم، بعد مرور الفصول، أتامل شجرة الغيوم التي ارتفعت حتى باتت تتزاحم عليها السحابات الأخرى.

شجرة الغيوم كبرت في حديقتي. كانت في كل موسم تزيد إلى مجموعتها غيمة صغيرة. راقبها أطفال حيّنا وكبروا، وهم في كل موسم، يقصدون حديقتي، ويتأملون غيومها الصغيرة الجديدة، كانوا يتضاحكون وأصوات ضحكاتهم تملأ هذا الفراغ.

قبل كل رحيل جديد، كانوا يجتمعون حول شجرتي ليودعوا رفاقهم قبل انطلاقهم في رحلاتهم خارج سور حينّا. يمسكون بأيدي بعضهم، ويدورون حول جذع شجرة الغيوم، وينشدون أحلامهم. فتسقط على رؤوس المغادرين منهم غيوم صغيرة مضيئة ترافقهم في رحلة حياتهم إلى الأبد.

في آخر حفلة رحيل شاهدتها في حديقتي، استوقتني فتاة صغيرة، وطلبت مني أن  أذهب معها نحو شجرة الغيوم . وبعد أن أصبحنا إلى جانبها أشارت بأصبعها نحو برعم غيمة صغيرة لم ينضج بعد وقالت لي:” زرعتُ على غصن شجرة حديقتك الضخمة غيمتي الصغيرة.إن حالفني الحظ، وبقيت على قيد الحياة وحان وقت رحيلي، سترافقني في مغامرة حياتي المقبلة . وإن حدث العكس، فستكون أمانة بين يديك. وضعت فيها كل أحلامي وأفكاري  التي عليها سأبني معركتي. إن رحلتُ عن هنا قبل أن أقطفها لدي أمنية أتمنى أن تحققيها لي. أقطفي غيمتي، وأطلقي سراحها، ودعيها تهيم في هذه السماء الشاسعة ،علها تهتدي إلى أحد فقد الأمل ونامت في عينيه الأحلام فتسقط عليه وتستيقظ رغبة الحياة فيه ويحيا من جديد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »