في ضيافة سوسن هانم ! – كارينا أبو نعيم …


كارينا أبو نعيم
رواية “جدتي المريبة” للكاتبة الشابة مها آدم الصادرة عن دار “عصير الكتب”، الطبعة الأولى بتاريخ كانون الثاني – يناير 2022، تقع ضمن 321 صفحة. تتحدث فيها الكاتبة عن جدتها الغامضة، سوسن هانم، والدة أبيها المتوفى منذ سنوات. لم تكن العلاقة بين زوجة الأبن المتوفى وحماتها على ما يرام، ولم تنشأ بين الطرفين أية علاقة ودّية. وبالرغم من كل ذلك، كانت هذه الجدة التي تقطن في منطقة بعيدة ونائية، ترسل لهما المال الوفير شهرياً وعلى مدار كل السنوات بعد وفاة ابنها. مما جعل حفيدتها وأمها تعيشان في بحبوحة كبيرة سمحت للفتاة الصغيرة التعلم في مدرسة خاصة أجنبية. وتخرجت في ما بعد من كلية الهندسة وعملت في إحدى الشركات الهندسية الأجنبية في القاهرة. تعرفت هبة، الحفيدة، إلى زميلها أحمد على مقاعد الدراسة الجامعية. ونشأت بينهما قصة حب امتدت إلى ما بعد التخرج. مما دفع بالاثنين للتخطيط معاً لبناء منزلهما الزوجي .علاقة حب بدأت قبل تسع سنوات، كان من المفترض أن تنتهي بزواجهما. لكن الأمور انقلبت خلال فترة التحضير للزفاف، بعد أن إكتشفت هبة خيانة خطيبها أحمد مع إبنة خالها الذي رعاها هي ووالدتها بعد وفاة والدها والذي أحبته محبة الأب.
بعد أن عرفت هبة هذه الحقيقة المدمرة، قررت الرحيل، خاصه وأن إبنة خالها وأحمد سيتزوجان قريباً. صممت على مغادرة المنزل الذي تسكنه مع والدتها، والواقع في نفس المبنى الذي تقطنه عائلة خالها.
تركت هبة وراءها سنوات طويلة من العمل المضني، أسست خلالها بيتها الزوجي المستقبلي مع أحمد. لم تأبه هبة لدموع وتوسلات والدتها التي شعرت أنها خذلتها بموقفها الضعيف أمام خالها. وهربت للسكن مع جدتها التي لم ترها في حياتها إلا مرات قليلة جداً. حملت حقيبتها وخيبتها وقصدت هذه المرأة العجوز في بيتها البعيد والنائي.
لم تنته الحكايه هنا. في قصر جدتها المريبة بدأت فصول التشويق وليالي الرعب والخوف لتكتشف تباعاً قصة هذا المنزل والقاطنين فيه بتفاصيلها وبحياة شخصياتها ومصيرها. ورغم أنني لم أتوصل من خلال متابعة أحداث الرواية من بدايتها حتى نهايتها الى قناعة شخصية ببعض مجريات القصة، لكن أجدها محاولة لا بأس بها ويمكن أن تستقطب عدداً كبيراً من القراء، خاصة محبي أدب التشويق والفانتازيا. حاولت الكاتبة جاهدة أن تضفي على مسيرة الأحداث ظلال الرعب. قدمت طبقاً مشكلاً من أفكار خلطتها بتوابل خاصة لها. كما أن فكرة الخلط بين العلم والسحر كانت حاضرة ضمن الطبق المنوع.. وبالرغم من ادعاء هبة بطلة الرواية وإفتخارها بمناصرة الحالة النسوية، لكني وجدت أن الكاتبة أخفقت في مكان ما ووقعت في فخ “الكليشيه” المعتمد أو يمكن القول عنه أنه صورة نمطية مخزونة في ذاكرتنا وراسخة في عقولنا. حاولت أن ترسم هبة كفتاة متعلمة ومجتهدة ومكافحة وطموحة من جهة، ومن جهة أخرى تركتها فريسة ترسبات نظرة المجتمع الى المرأة العاملة والخارجة عن الخضوع للتقاليد البالية لتقترب من صورة المرأة القوية البعيدة عن الأنوثة. هبة مهندسة متعلمة ومثقفة تتقن اللغات الأجنبية. يتيمة الأب لكنها مثابرة وناجحة في عملها. عندما تصبح في منزل جدتها نراها ضعيفة ومستسلمة وخائفة وغير قادرة على الإمساك بزمام الأمور لوحدها دون سند من الرجل. حتى اللحظة، خاصة في معظم الروايات الشبابية ، نجد عدم توازن في بناء الشخصيات النسائية والشبابية على حد سواء. القلة من الكتّاب الجدد الشباب إستطاعوا أن يظهروا لنا شخصيات قريبة جداً من الواقع نجدها في حيّنا، وفي مبنى السكن الذي نعيش فيه، وفي مقرات عملنا وفي حياتنا الإجتماعية عامة. حتى أن الحب يعالج على طريقة الأفلام المصرية القديمة.
حتى تحتل الرواية العربية مكانة متقدمة في الحياة الثقافية العامة عليها أن تبدع في خلق حالة ساحرة ،مشوقة، معاصرة، تتماشى مع واقعنا وأفكار شبابنا. على الرواية العربية أن تخرج من عباءة التقليد، وأن تنطلق نحو الفضاءات الأوسع. في الحياة، هناك أمور مهمة جداً يمكن للرواية العربية أن تتناولها غير الحب والزواج والجنس. وهنالك طاقات كتابية شابة واعدة جداً في مجتمعنا العربي، ولكنها تنتظر من يطلق لها العنان ويمسك بيدها ويخرجها الى النور دون أي محسوبية.
“جدتي المريبة” محاولة جيدة كان بإمكانها أن تكون ضمن صفحات أقل، لكانت تفادت بعض التكرار في المواقف أو المشاهد مع إضافة القليل من التعديلات على الشخصيات وتطورها ضمن الأحداث
