عداد الهواء- كارينا ابو نعيم


سيبدو للبعض أن العنوان غريب بعد الشيء. لكن من يعيش في وطن كالذي نعيش فيه، سجناء في مساحة 10452 كيلومتر مربع يدرك تماماً أننا سنصل قريباً لأن يصبح للهواء الذي نتنشقه ضمن تلك المساحة ، عداد ندفع من خلاله ضريبة مالية على النفس الذي نتنشقه. الطامة الكبرى أن هذا الهواء غير مطابق للمواصفات الصحية. ورغم عدم جودته ، سندفع بدلاً مالياً كبيراً مقابل استخدامنا لهذه الميزة.
لم يبق لنا أي شيء. عملتنا الوطنية فقدت قيمتها وأصبحنا جميعنا في عداد الفقراء والمعوزين المعدمين. إقتصادنا في الحضيض. مدخراتنا في المصارف منهوبة ومسروقة. صحتنا مهددة بخطر الموت في كل لحظة. أخلاقنا في حالة إنحطاط. أمننا الغذائي في تدهور. صحتنا النفسية مريضة. الطائفية تنغل في عظامنا. الفساد مستشري في كل زاوية من حياتنا. التخلف يجتاحنا بعنف.فنحن جسد تتآكله الآفات والأمراض على اختلاف أنواعها ومصيرنا الإنهيار. ندفع بدل الفاتورة فواتير بأرقام خيالية. وبدل أن يكون لنا مصدر واحد للكهرباء، وهي حق من حقوقنا وأبسط واجبات الدول تجاه مواطنيها، لدينا مصادر متعددة ولكل مصدر فاتورته الشهرية الخيالية. ندفع بالملايين و بالفريش دولار ونحن نقبض الفتات. حتى المياه ،ونحن نتغنى كالاغبياء أننا وطن يعوم على مياه جوفية وفيرة جداً، نشتري المياه المعدنية لنشرب ونطبخ ويبيع لنا التجار الفاسدين “ستيرنات” المياه لنملىء بها خزانات بيوتنا. لم نترك شيئاً إلا وتاجرنا به. تاجرنا بالغذاء وبالدواء وبالمخدرات وبالسلاح وبالبشر وبالاخلاق وبالدين. اللبناني “حربوق” يستغل كل الأزمات لجني الأرباح الخيالية. تحكمنا طبقة سياسية متأصلة بالفساد تفوح منها روائح السرقات ونهب الاموال العامة والخاصة والصفقات المشبوهة والأدوية المزورة والأطمعة الفاسدة والفيول المغشوش والمشاريع الوهمية ……
منذ سنوات ونحن نغرق نحو القاع. فالازمات تضرب بنا الواحدة تلو الأخرى والجميع يتفرج. لا بل معظمنا مشارك في استمرار تلك الجرائم. راضخون لما يحل بنا. مستمتعون بسياط جلادينا. لم يتركوا لنا شيئاَ إلا وفرضوا عليه ضرائب. حتى باتت حياتنا مستحيلة.
باعوا الوطن….إنهم يكذبون ….ونحن نصدق وعودهم ومازلنا كالحمقى ننتظر منهم الحلول. لم يبق لنا إلا الهواء الذي نتنشقه لم يضعوا عليه عدادات ليبيعونا النفس من خلالها. من سيمنعهم من ذلك؟ من سيقف بوجهم؟ حطموا كرامات الناس وحولوهم إلى مجموعة من المتسولين. نحن أصبحنا جميعنا متسولين نستجدي اللقمة والدواء والحياة والكرامة.
من سيمنعهم من إكمال جرائمهم؟ من سيوقف تلك المجازر الجماعية التي تنفذ بحقنا؟ ما هو المطلوب؟ ما هي الأثمان التي تدفع مقابل كل ما يحصل لنا؟.
نحن سجناء في هذه المساحة الجغرافية. لا نملك حتى حق الإنتظار…..
