انه عيد الميلاد … امل هواري

في عتمةٍ موحشةٍ وظلام دامس، وسط أرضٍ ملؤها الجور والظلم والفقر والعدوان، كانت اللحظة المعجزة التي شهدت ولادة المخلص…
نورٌ مقدسٌ انبثق من مغارة الطهر ليغمر أرض الشرق بالفرح والبركة والسرور، في لحظةٍ عجائبيةٍ مباركة، أبصر يسوع المسيح النور بين يدي السيدة العذراء، ليبشر بزمن المحبة والتسامح واليقين…
ذلك الوهج الذي لا يزال ينبض بالحياة منذ أكثر من ألفي عام، كان ولا يزال دائم التجدد، وفرصةً سنويةً نستمد من معانيها أسمى آيات المحبة والتسامح والصفح والغفران… فرصةً لفرحةٍ غامرةٍ ووقفةٍ على أعتاب عامٍ جديدٍ محمّلٍ بنوايا الخير وآمال السعادة.
في عامنا هذا، نحتفل بيوم الميلاد وفي القلب حرقةٌ وغصةٌ وألمٌ يعتصر أفئدة أغلب الشعوب … كيف لا وفلسطين يطوّقها القتل،والذعر والتشريد. خاصة بعد طوفان الأقصى والأعداد المهولة والمتزايدة من القتلى والجرحى والمفقودين بفعل الصواريخ الإسرائيلية وقنابل الفسفور الأبيض المحرمة دوليًا.
فلسطين تصارع، تتلاطمها الأمواج وتتقاذفها العواصف الهوجاء، دون أن يرف جفنٌ لمن كانوا سبب المأساة وأساس البلوى!
وما زالت فلسطين ككل جولة تدوس القناع العربي الزائف.
صمٌّ بكمٌ عميٌ، يتنكرون لما اقترفته أيديهم بحق هذا البلد وأبنائه على مدى مئات السنين… قتل، ذل، حرمان، انتهاكات للحقوق الانسانية ونهبٌ وازدراءٌ لكل من يتنفس هواء فلسطين. لا أحد في العالم أجمع يستطيع أن يشعر بوجع من أجبر بالعيش اسيراً ومكبلاً داخل وطنه.
للحظة، يحضرني قول الشاعر
السوري نزار قباني معجباً بصلابة أبناء غزة وعنفوانهم: “يا تلاميذَ غزّة عَلّمونا بعضَ ما عندكم فَنَحنُ نِسينا”.
لم أجد ما يصف واقع الحال الفلسطيني خيراً من هذه الكلمات، بل الأجدر أن نتساءل:
الى متى سيظل العرب متخاذلين عن نصرة إخوانهم؟
لقد باتت فلسطين دولة افتراضية، تعيش لوناً قاتماً من التراجيديا العدمية، حيث لا يتسنى لأحد من اهلها أن يرتقي الى مستوى العيش بانسانية وسلام وحب في وطنهم وارضهم.
دولة تاهت ما بين الميكيافيلية والدونكيشوتية، وبات الاغلب أشبه بمشعوذي السياسة، الخارجين للتو من غياهب الكهوف، وقد ولدوا من خاصرتها وارتضوا لهذا الشعب المناضل أن تتقاذفه رياح الفاجعة الهوجاء لتلقي به على ضفاف العدم.
هل حقاً آثر الفرح أن يشيح بوجههم وبوجوهنا في أجمل المناسبات، أم أننا بتنا أسرى أحزاننا ومأساتنا وقدرنا في بلاد الأزمات!
في يوم الميلاد، في يوم ولادة سيدنا المسيح، في يوم المحبة والسلام لن نصرخ بأعلى صوتنا طلباً للحظة فرح هي بلا شك من حقنا كما كل شعوب العالم، ولكننا سنغمض أعيننا لبرهةٍ، ونطلق العنان لأنين آهاتنا، لعل وقع موسيقى قيثارة الروح يستعيد لحظة الميلاد التي هي حقاً تليق بنا…
