ادبيات

ليلة الكسوف- الحلقة الثانية (2) -كارينا ابو نعيم

كارينا أبو نعيم

لم يكن قد مرّ أسبوع على الحادثة التي تعرضت لها عندما كنا نشاهد كسوف الشمس الجزئي، التي لا أذكر منها شيئاً سوى أنني استيقظتُ ووجدت نفسي ملقى على أرض سطح المبنى الذي كنا نشاهد عليه الكسوف الجزئي للشمس، وقد أحاط بي الجمهور الذي كان يشاركنا هذه المشاهد، وصديقي كمال يهزني بقوة محاولا ً إيقاظي.

حاولت أن أحلل ما أصابني، وتشاركت مع كمال بالهواجس التي احتلت أفكاري، وأقلقت أيامي الماضية. لكن صديقي أكد لي أنني لم أبرح المكان، وربما عانيت من تدني حاد للسكر في الدم، مما جعلني في حالة هلوسة قبل أن فقد وعي، ونصحني أن أزور الطبيب وأجري بعض الفحوصات.

على أثرها توجهت الى الطبيب الذي أخضعني لفحوصات شاملة، ونصحني أن آخذ قسطاً من الراحة، لأن نتائج الفحوصات لا يشوبها أي خلل وصور الأشعة للرأس ممتازة جداً. لهذا رجّح أن ما أصابني قد يكون جراء المجهود المفرط الذي أبذله في عملي منذ أشهر.

لكن في الواقع ومنذ تلك اللحظة التي شعرت أنني كنت مخطوفاً في عالم آخر، لم أعد طبيعياً أحسست أنني أعاني من خطب ما أجهل سببه، خاصة أنني أتذكر جيدا ً تلك الثواني التي تواجدت فيها خارج عالمنا هذا.

لن يصدقني أحد؛ وبقيت بصمات تلك الحادثة تؤرق ليلي، وترافقني صباحاً بعد أن اكون قد أمضيت ليلة من الكوابيس التي لا تنتهي.

كان علي أن أرضخ لمشيئة الطبيب وأن أنهي ما أعمل عليه، أو أن أتركه وأذهب في رحلة نقاهة بعيدة كل البعد عن الضغوطات العائلية ومسؤوليات العمل، خاصة مع ارتفاع نسبة الارق الليلي الذي صاحبني منذ أكثر من أسبوعين؛ وتركتني فريسة المخاوف من أن أصل الى مرحلة الإنهيار العصبي.

أنهيت مسودة روايتي الجديدة في غضون خمسة أيام وتوجهت الى مدير دار النشر ووضعتها بين يديه، وانصرفت بعد أن أعلمته أنني في إجازة مفتوحة ومدفوعة. أستحق هذا الامتياز بعد أن مارس عليّ خلال السنوات الثلاث الاخيرة كل أنواع الضغوطات لأقدّم للدار أكثر من كتاب في السنة.

في طريقي الى البيت توقفت عند إحدى المكتبات، اشتريت جريدة اليوم وتوجهت بعدها إلى منزلي، حيث قررت أن أقلب روتين حياتي وأخطف عائلتي ونبحر في رحلة شيقة نحو جزر المالديف.

دخلت البيت وتوجهت إلى غرفة الجلوس وناديت زوجتي فلم تجيب، تعجبت!!! إلى أين من الممكن أن تذهب ؟ وأين هم الأولاد؟.

كانت كتب ابنتي منتشرة على الأريكة وعلى أرض الغرفة، هذه عادة ورثتها لتخلق جواً من الرومانسية وتقلدني في جلستي. في السنة الماضية، كتبت قصة أثارت انتباهي فشجعتها وبدأت أجلب لها الكتب والروايات وأقدّم لها النصائح. إنها نواة كاتبة صغيرة وهذا ما أفرح قلبي كثيراً.

تذكرت أنني لم أرى حتى” لاما” مدبرة المنزل التي تعمل لدينا. ومنيت نفسي أن تكون زوجتي قد عادت إلى رشدها فدعت الأولاد الى تمضية النهار برفقتها.

البيت تعمه الفوضى الغريبة. وتخطت الساعة الرابعة من بعد الظهر، لهذا قررت أن أنتظر عودتهم ومن بعدها نقرر برنامج الرحلة. خلال هذا الوقت، سأعيد ضبط هذه الفوضى، وبدأت بلملمت كتب ابنتي المتناثرة على الأريكة والأرض.

لم يبقَ لي سوى كتاب واحد وأنتهي، كتاب واحد مرمي على الأرض، هممت بأخذه وأنا أبتسم لعبقرية هذه المراهقة، وما إن لمسته حتى أُصبت بشحنة من الكهرباء القوية رمت بي إلى الوراء، كنت مندهشا ً لما أصابني . لكنني حاولت لملمت شتات ذهني، ووقفت من جديد، واقتربت بحذر منه، وانحنيت لأمسك به من جديد، وما إن وضعت يدي عليه حتى اجتاحتني زوبعة من الأعاصير رفعتني إلى فضاء الغرفة، ورأيت نفسي أطوف، والرياح تشدني وتحاول ابتلاعي داخل الصفحات وأنا أسبح في الفراغ وأصارع بكل قواي .

صرختُ واستغثتُ وحاولتُ التمسك بما توصلت له يداي، لكن الريح كانت أقوى، أمسكت بي ورمتني على الحائط ثم رفعتني من جديد وابتلعتني إلى باطن صفحات الكتاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »