ليلة الكسوف – الحلقة الثالثة (3) – كارينا ابو نعيم


كارينا أبو نعيم
كانت قرابة العاشرة مساءً حين رن الهاتف، أتاني صوت أمي المرتجف وهي تسألني:” هل رأيت وليداً اليوم؟ ” أجبتها بالنفي. فأخبرتني أنها تحاول الاتصال به منذ فترة بعد الظهر، ولم يُجب عليها لا في منزله ولا على هاتفه المحمول ولا في مكتبه.
أقلقني الأمر جداً، فهرعت واتصلتُ برقم منزله مراراً وتكراراً.. وكانت النتيجة واحدة لم يجبني أحد.
صعدتُ إلى السيارة وتوجهت كالمجنون الى منزل أخي. أحسستُ أنني أصارع الوقت، فالدقائق تمر كأنها ساعات، لا يفصلني عن منزله سوى مسافة قصيرة، وصلتُ إلى باحة المبنى حيث يقطن، وقلبي يرتجف من الخوف، لمحتُ سيارته مركونة بشكل طبيعي لا يدعو للريبة أو الشك.
يسكن أخي وليد في الطابق الأرضي من هذا المبنى المؤلف من ثلاث طبقات. لطالما حلم أن يكون له حديقة خاصة به، تحيط بمنزله، يزرعها بيديه، ويعتني بها، ويكون له فيها زاوية خاصة يخصصها للكتابة والقراءة.
كان باب المنزل الخلفي مفتوحاً …فهذا المرر يقود الى الجهة الخلفية للحديقة. تقدمتُ نحو الشرفة الداخلية للمطبخ، وولجت منها الى داخل المنزل، كان الظلام يسود أرجاء الشقة بأكملها. بحثتُ في جيبي عن هاتفي المحمول محاولاً أن استعين بنور شاشته كي أجد زر مصباح المطبخ . وبعد عناء، وجدت الزر الذي ينير المطبخ وغرفة الجلوس الملاصقة له. تسارعت دقات قلبي وكادت الدماء تتجمد في عروقي حين لمحتُ وليداً مطروحاً على أرض غرفة الجلوس وتحيطه عشرات الأوراق المتناثرة حوله.
ركضتُ نحوه وجلستُ أرضاً وبدأت أهزه بقوة وأصرخ: ” وليد….وليد”. لاحظت أن أنفاسه غير منتظمة ومتقطعة، بحثت عن أي آثار للدماء لكن لم أجد شيئاً. طلبت رقم النجدة، ووصفت لهم حالته، وأعطيتهم العنوان، وجلستُ بجانبه أتحسس نبضات قلبه وأنفاسه وأنتظر وصول سيارة الإسعاف.
بعد أن وصلنا إلى المستشفى، وأدخلوا وليداً إلى غرفة الطوارىء، اتصلت بزوجته معتقداً أنها تقضي الليلة عند أهلها كما جرت العادة كل يوم جمعة من الأسبوع، لكني وجدت الخط خارج الخدمة. اتصلت بوالدتي وأعلمتها أننا في المستشفى، وطلبت منها أن تتواصل مع زوجة أخي لتخبرها بالتطورات، وأن تنتظر السائق الذي سيمرّ ويأتي بها إلى هنا بعد حوالي النصف ساعة.
خرج طبيب الطوارىء وطمأنني أن حالته مستقرة وأن نبضات قلبه عادت الى طبيعتها وأنه استيقظ لكنه ما يزال تحت الصدمة وعاجز عن الكلام في الوقت الحالي.
وصلت والدتي وبدت كالمجنونة تسأل عن إبنها وهي تبكي، أمسكتها وطمأنتها عنه ونبهتها من عدم الانفعال أمامه. وحين سألتها عن زوجته؟. أجابتني أنها اتصلت بمنزل أهلها، ولم يجبها أحد، فتركت لهم رسالة على المسجل الصوتي.
سمح لها الطبيب بمشاهدته لمدة خمسة دقائق، بعد أن تمّ نقله إلى غرفة العناية حيث سيخضع للمراقبة المشددة خلال الـ24 ساعة المقبلة.
بعد أن أوصيت السائق بإيصال والدتي الى منزلها، ولجت الى مكتب الطبيب المشرف على حالة أخي. أخبرنني الدكتور منذر أنه سيخضعه إلى فحص سكنر دقيق ومفصّل غداً صباحاً. يشكّ الطبيب أن أخي قد تعرض إلى شحنة كهربائية عالية جداً، ومن حسن حظه أن قلبه لم يتوقف. وقبل أن يكمل حديثه، سحب من درجه قصاصة ورق ووضعها أمامي على المكتب وسألني:
” هل تعلم شيئاً عن هذا الموضوع؟” وجدت هذه الورقة في قبضة أخيك حين كنت أقوم بفحصه.
أمسكتُ الورقة وقرأت ما جاء فيها:” إلحق بنا… لقد خطفنا وأصبحنا ضائعين وتائهين في التاريخ. الإمضاء: زوجتك والأولاد”.
