ادبيات

على هذا المقعد جلس للمرّة الأخيرة (2) – كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

لا شىء أسوأ من أن تفقد الثقة بمن يشاركك نفس المساحة ويعيش معك تحت قبة السماء. في كلّ جلسة، كنت أطلب من الدكتورة نفين أن استلقي على تلك الكنبة الطويلة التي تتوسط غرفة عيادتها، لا تحب، صديقة المعذبين في الأرض، كما تفضّل أن يُعرّف عنها، أن نطلق على هذا المكان المخصص للراحة النفسية، عيادة الدكتورة نفين العبدالله، طبيب متخصص في العلاج النفسي. فهي تعمد عند حلول موعد جلسة أي “صديق “أو “صديقة”  الى الاتصال بهم لتطمئن على أحوالهم  وتدعوهم قائلة:”إنني في انتظارك غداً يا عزيزتي لنشرب سوياً فنجان قهوتنا … افتقدتُك جداً هذا الأسبوع.”

لوقع هذه الجملة سحرٌ غريب يدغدغ مشاعري، ويُحسّن من مزاجي الذي أصبح مؤخراً غير مستقر على حالة واحدة، خاصة بعد أن حصل معي ما حصل.

لم أعد قادرة على السير على رصيف هذا الكورنيش البحري بعد أن خسرت معركتي مع الحياة. أصبحتْ  تلك المقاعد المتناثرة هنا وهناك، شاهدةً على كل لحظة إنهزام وإنكسار، حتى صوت الأمواج التي كنا نؤلّف لها كلمات عشقنا ،أصبح صوتها بالنسبة لي نشاذاّ، وكل حلم رسمناه على لوحة السماء الصافية، وكل الغيوم التي داعبناها بأصابعنا يوم الشتاء، ولهونا وضحكنا وبكينا ونحن غارقون ومتعانقون في لحظات خدر ونشوة، كلها إنقلبت الى أشباه ذكرى كوجودكَ هنا معي على هذه الأرض الفانية….

لم أخبرها أنني لا أرغب في الكلام في أول جلسة لنا بعد أن فشلت بالإنتحار للمرة الثانية، لا أعلم إن كان تدخّل القدر في كل مرة، رسالة من جهة ما، يريدني أن أبقى وأن أستمر … لوهلة أصابني الكرب حتى الجنون…. فاللعنة تحاصرني من كل مكان حتى حين أقرر أن أموت…

لم أتفوه بكلمة واحدة… ساعتان مدة جلستنا الأولى، تركت الدكتورة نفين تتحدث إلى نفسها وتوجهت نحو الكنبة  الكبيرة، تلك التي نشاهدها في الأفلام، يتمدد عليها المريض ليصبح جاهزا ً للبوح بكلّ مكنونات نفسه…. اقتربت منها وتمددت عليها وبعد لحظات غفوت….

أيقظتني صديقة المعذبين في الارض، بعد مضي أكثر من ساعتين، أيقظتني بابتسامة ملائكية ألطف من النسيمة، وقدمت لي فنجان قهوة ما زلت أذكر مذاقه حتى هذه اللحظة….كان مره مؤذياً كأيامي البائسة….نظرت نحوها وأنا فرحة كطفلة صغيرة قدمت لها أمها هدية كجائزة على بقائها هادئة وصامتة وغير مزعجة….

حين أنهيتُ فنجان القهوة تبسّمتُ وتوجهت الى صديقتي ونطقت بعد أكتر من ثلاث ساعات كنت فيها كالصنم وقلت لها:”أشكرك جداً على جرعة الاهتمام “… ومن بعدها قمت ولبست معطفي بينما كانت معارك العواصف في الخارج تتحضّر ، لكنني شعرت في تلك اللحظة أنني دخلت الى هنا وكنت لا شيء والآن سأخرج من هنا ومعي كلّ شيء…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »