ادبيات

على هذا المقعد جلس للمرّة الأخيرة (3) – كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

اليوم، كانت المهمة شبه مستحيلة، ساعة الحقيقة حين تدق، تجعل من أي إنسان يَحسبُ لها ألف حساب، فكيف لنفس معطوبة ومعدومة، تعتقدُ أنها سائرة على طريق التعافي، بعد علاج خضعت له لسنوات، ستواجه اليوم إمتحانها الأول؟

في بداية كل علاج علينا الإعتراف بأننا لسنا بخير. ومن ثم الإقتناع بضرورة تلقي المساعدة من الأشخاص المؤهلين لهذا الأمر.

كنتُ في حينها غير قادرة على تصديق أن جهاداً قد رحل عن هذه الدنيا، هكذا وببساطة، كيف لي أن أصدق ، ونحن كنا سوياً قبل أن يخطفه الموت، نحتفل بعيد مولده الأربعين! لم تكن الأرض تتسع لفرحتنا التي استحوذت علينا كالسحر الذي يمارسه علينا صاحب العيد.

رفض جهادٌ لسنواتٍ الإحتفال بذكرى مولده. لم أكن أفهم إصراره على الإعتكاف والإعتزال وقطع كل وسائل التواصل به في يوم ميلاده من كلّ عام.

لم يكن جهاد مجرد رفيق درب أو معرفة، تفتحت عيناي على رائحة وجوده معنا. لم يكن يغيب عن ناظري إلا حين يأتي الشيخ مطانيوس، جده ، وجيه الضيعة التي كنا نصطاف فيها دائماً، ليجبره على العودة الى المنزل تحت وابلٍ من الشتائم والوعيد والصراخ. يكبرني جهاد بسنوات عشر وأكثر، ترعرع وسط إخوتي وكان رفيقهم في المدرسة، ومن ثم في المنزل والجامعة. لاصقني وجوده كامتداد طبيعي لعائلتنا المؤلفة من أربعة ذكور وأنثى واحدة، وجاء جهاد لنصبح خمسة ذكور وأنثى مدللة.

لم يسأل أحد من هو هذا الصغير، فجهاد متواجد بيننا منذ أن كان عمره خمس سنوات، ولم يفارق حضن عائلتي إلا نحو مثواه الأخير.

حتى الغبار الذي سكن فضاء البيت، يدرك تماماً أن جهاداً كان حياً ومرّ بظلاله على تلك الاشياء كلّ يوم…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »