لي حياة واحدة لأعيشها (1)- كارينا ابو نعيم


كارينا ابو نعيم
اقتحم صالة الاستقبال في الفندق حيث يقطن منذ وصوله الى هذه المدينة، وتوجّه بخطوات واسعة ومسرعة نحو السلم الذي يؤدي الى الطابق العلوي. تبعته “إيلينا”، ابنة صاحب الفندق، ونادت عليه مرات عديدة، لكنه لم يتوقف، ولم يلتفت إليها، أكمل طريقه وكأنه هاربٌ من شبح يلاحقه.
سيدخل غرفته، سيبحث فيها عن أجوبة، إنه في مهمة، أفكار كثيرة تضج في رأسه، أصوات عديدة تتردد على مسمعه، جميعها تهمسُ لهُ بين الحين والآخر “فاشل”….”فاشل”. يتصارع مع أشباح تلك الأصوات في ظلمة هذا الفراغ، عاجزٌ كلياً عن التوقف، يرقص فوق لهيب هذا الألم الذي يحاصره، ويشتد، ويقبض على أنفاسه. شاهد مرات عديدة روحه تخرج من جسده، لكنها في نقطة فاصلة ترتد الى هذا الجسد الهزيل، لينتفض من بعدها ساعات وساعات.
توقفتْ تلك الأصوات. ضجيجُ الشارع في الخارج بدأ يتسلل الى أذنيه من جديد، صراخ الصبية الذين يفترشون الرصيف، يتبارون فيما بينهم على جذب الزبائن، وإقناعهم في شراء بضائعهم التي لن “يجدوا لها مثيلاً في كل المدينة”.
وقف بسرعة وتوجه نحو نافذة الغرفة الوحيدة، فتح شباكها الخشبي، تأمّل السماء، وتأكد من استمرار وثبات هذا الطقس الدافء والمشمس. حرارة الجو تجعله في حالة فرح مفرط ، وتدفع به الى تنفيذ العديد من المشاريع التي ركنها جانباً. عاد الى خزانته وسحب منها حقيبته وألواحه القماشية وريشه والأصابع الزيتية التي ما عاد يميز لونها بوضوح، بعد أن تمازجت فيما بينها. اليوم، سيسقط الشمس ويحبسها في لوحته، إنها فرصته الأخيرة، هكذا أخبرته أشباح تلك الأصوات وهمسها في آخر نوبة جعلته طريح الفراش لأيام عديدة.
