إمبراطورية إحياء الموتى – الجزء الأول (وصية جدي) – الحلقة الأولى – كارينا أبو نعيم


كارينا ابو نعيم
“يا حبيبي…
الليل ونجومه وليله وقمره…قمره وسهره.. وإنت وأنا … يا حياتي أنا .. كم سنة.“
كم قرن مرّ على تلك التحفة الفنية بصوت كوكب الشرق السيدة العظيمة أم كلثوم. ضغطتُ على زر البداية، أستمع من جديد الى هذا الصوت الجليل الذي
يدخلُ أعماق الروح فيُسكرها، لن يفهم أترابي اليوم هذه القيمة الفنية، فقد قطعنا عن زمنها الذهبي عقوداً وسنوات طويلة، اعتدتُ الاستماع الى هذه الأغاني،
حين كنتُ أزور بيت جدي، أتذكر جدي نسيم وهو جالس في حديقة منزله يُنصت بإمعان إلى صوتٍ لم أفهم قيمته إلا حين تمرستُ على سماعه .
كان جدي يُخصّص ساعتين كل يوم بعد أن تقاعد لممارسة ما كان يسميه “اليوغا الذوقية”. فكان يُخرج آلةً من خزانة مكتبه، لم أشاهد لها مثيلاً، إلا في متحف الذاكرة البشرية داخل العاصمة الثقافية. علمتُ حينها أن أسمها آلة تسجيل، يمكن من خلالها الإستماع إلى الأغاني، كان يضع في تلك الآلة الغريبة دوائر مصنوعة من مادة البلاستيك ومطبوع عليها صور وأسماء، وكانت هذه الآلة من أهم ابتكارات القرون الغابرة.
كنتُ أهربُ من الجميع، وأختبئ في الحديقة وراء الأشجار مدة ساعتين، أغرق فيها بين نغمات الموسيقى وعذوبة أصوات المغنين.
نحن، اليوم، في العام 2220 . لم نعد نسكن كوكب الأرض، نستخدم تقنية الألواح الهوائية التي توفر لنا القراءة والاستماع إلى الموسيقى والمحادثة الصوتية والمرئية، وإصدار الأوامر وإرسال الرسائل وغيرها من الأمور، عبر تقنيات الذبذبات الهوائية المتطورة جداً، فنصدر الأمر عبرالصوت وعبر شاشاتٍ شفافةٍ تظهر في الهواء أمامنا لانتقاء ما نريده.
تعذبتُ كثيراً لإيجاد أغاني هؤلاء العباقرة، خاصة ونحن بعيدون قرنين وأكثر عن هؤلاء الذين سكنوا الأرض قبل أن يدمرها البشر في حروب نووية قضت على فرص الحياة فيها. إستعنتُ برئيس التقنيين في شركة النشر الإلكتروني، واستطاع أن يستخرج لي من ذاكرة القرن الماضي المخزنة في أرشيف الفن العالمي، أغاني أم كلثوم إلى جانب عددٍ كبيرٍ من كبار الموسيقيين والفنانين من ذلك العصر الذهبي، حفظتها على جهاز ذاكرتي التفاعلية أعود إليها كلما اشتاقت نفسي إلى ذكرى جدي نسيم.
الوصية
توفي جدي نسيم وترك لي وصيةً محفوظةً بإسمي، في بنك الذاكرة العائلي. صحيحٌ أن هذا الإنسان كان غريب الأطوار، بعيداً عن الجميع، لكنه ميّزني من دون غيري من العائلة بعلاقةٍ وديّةٍ، خاصةً بعد أن اكتشف وجودي في خلوته ذات يوم، ولم أكن قد أتممت العاشرة من عمري .للوهلة الأولى، تَجَمدتْ أوصالي، وتَسارعتْ دقاتُ قلبي، وتخيلتُ حجم القصاص الذي سأناله مِنهُ، بعد أن قبض عليّ وأنا مختبئ وراء الأشجار. شكلت هذه الحديقة خلوته الخاصة به، وكان ممنوعٌ علينا جميعنا دخولها. فهو يعتني بأشجارها وأزهارها ونبتاتها، بمساعد الـwaffi، رفيقه الوحيد، رجلٌ آليٌ متطورٌ جداً، يقوم بكافة وظائف البشر من دون برمجة مسبقة، إنه نموذج مُصنّع في شركات جدي نسيم وشريكه كمال، نالت هذه النماذج من الذكاء الإصطناعي شهرة واسعة، وحققت لجدي وشريكه أرباحاً طائلة.
اعتقدتُ لسنوات أن العم كمال مسافر في مهمات خاصة الى الخارج، لكن حين تسلمتُ وصية جدي إكتشفتُ الكثير من الحقائق التي لم يكن يعلم بها أحد.
كنتُ قد رسمتُ لهذا الإنسان ملامح معينة، إنتقيتها من سيرته التي كنت اسمعها من أهلي. كان والدي شديد التعلق بالعم كمال ويفضل عدم ذكر إسمه أمام جدي، فسيرته تُغضبه، وكنا جميعاً نجهل السبب .
بعد أن أتممنا مراسم الدفن، تسلمتُ الوصية، وحصلتُ بموجبها على ذاكرة جدي، تُنقل هذه الذاكرة إلى حاضنة إلكترونية صغيرة جداً، تتحول عند الضغط عليها إلى شاشة شفافة، يمكن أن يَنتقى منها أهل الشخص المتوفي حقبة معينة من حياته ليَطلعوا على تفاصيلها. هذا المشروع قدمته شركة “الكواكب المتحدة”، وكان الهدف منهُ مكافحة الجرائم الخطيرة.
كان كل من يتم إلقاء القبض عليه في جرم ما تدخل ذاكرته ضمن هذا البرنامج، وتُصبح كتاباً مفتوحاً يمكن قراءته، وكشفت عشرات الأسرار من خلاله. بقيتْ هذه التقنية حكراً على الموقوفين والمجرمين، إلى أن تحولت بعد عشرين عام إلى ميزة تُمنح لكل شخص، يمكن أن يستفيد منها أبناؤه وأفراد عائلته بعد مماته كذكرى حية باقية منه.
تقدم مني حارس الذاكرة الوطنية، وأعطاني ذاكرة جدي نسيم. بصمتُ بعيني على قرار الوصية مع الموافقة على تنفيذها، وإلا سأُحرم من كل إمتيازاتي المالية والمعنوية.
لم أفهم إصرار جدي على أن تكون الوصية بإسمي. وبقيتُ أتساءل طول الوقت: لماذا لم تكن بإسم والدي أو عمتي فرح أو عمي فؤاد!!!
جمعتني بجدي أيام طويلة، بعد إكتشافه لي في حديقته المقدسة، ودارت بيننا أحاديث مختلفة نمتْ وكَبِرتْ خلال السنوات، لكنه لم يأتي يوماً على ذكر قصته مع كمال، وعلى الرغم من ذلك، ترك لي مهمة لقاء صديق العمر.
احتوت الوصية على بندٍ واحدٍ غير قابلٍ للرفض، وهو أن أذهب وأزور صديقه كمال، من دون أن أدرك ما الهدف من وراء كل هذا الأمر. لماذا لم يطلب جدي هذا الامر من والدي ؟ لماذا أخفى عنا لسنوات طويلة معرفته بمكان إقامة صديقه كمال؟
الوصية نقطة البداية، فانطلقتُ برحلة لقاء صديق جدي نسيم…..
