ادبيات

TAKANA-إمبراطورية إحياء الموتى الجزء الأول (وصية جدي) – الحلقة الثالثة – كارينا أبو نعيم

كارينا ابو نعيم

نسيم وكمال

أصبح جدي وصديقه كمال يملكان أول شركة تكنولوجية للربوتات ذات الأنسجة البشرية والتفاعل الإنساني. لم يكن ما حققاه بالقليل، قياساً لما إستطاعا أن يوفرا في تلك الروبوتات من محاكاة بشرية تصل نسبتها الى 100 في المائة. فأصبح كل من يريد إقتناء رفيق أو مساعد يتمتع بصفات بشرية وببنية آلية صلبة جداً، يقصد شركة “نسيكوم تكنولوجي”  NASSIKOM TECNOLOGY، ويتقدم بطلب يتضمن كل المواصفات التي يريدها في مساعده الآلي. وهذا الرجل الآلي، مقاوم للحرائق، والصدمات الكبيرة، ويمكنه أن يتفاعل عاطفياً فيحزن، ويفرح، ويمرض، ويبتسم، ويحب، ويكره، ويتكلم، كما كان يمتلك كل نموذج منه مواهب فنية ومهارات تقنية عالية الجودة .

فتحت شهرتهما الأبواب أمام  طلبات التعاون، والإندماج من قبل بعض الشركات التكنولوجية في مناطق مختلفة، فعقدا بعض الإتفاقيات مع تلك الشركات بهدف التطوير وتبادل الخبرات. وقطن كمال في القسم المخصص لجدي منذ أن قُبل في برنامج التدريب الخاص بالطلاب، ونشأت بينهما صداقة قوية، غير أنها لم تقف أمام خلافاتهما حول المشاريع أو الأفكار العلمية، وشجع والد جدي هذه العلاقة خاصة وأن جدي نسيم كان وحيداً، وليس لديه إخوة أو أخوات. وفتحت هذه الصداقة الأبواب أمامهما إلى التعرف على الكثير من الأمور، والغوص في مغامرات لم يعشها ولا واحد منهما من قبل، فاعتاد كمال أن يقصد المدينة مساء كل يوم سبت، والتمتع بكل ما تقدمه من مباهج ولذات، ويتعرف كل أسبوع على فتاة جديدة فيمضي معها ليلته، ويرحل عنها صباح الأحد ليعود إلى “الصومعة”، كما كان يحلو له أن يصف مكان سكنه وعمله، واعداً جدي نسيم بإخباره أدق التفاصيل عن مغامراته الأخيرة.

بعد دعوات متكررة من كمال إلى نسيم، رضخ هذا الأخير وأصبح يرافقه مساء كل سبت إلى المدينة، فلم يستطع جدي الإندماج في أسلوب عيش كمال، وكان يهرب منه ليقصد شوارع المدينة ويتمتع بمعالمها ليلاً.

اعتاد جدي على المدينة بعد أن كان معزولاً عنها في مركز أبحاثه، فقرر أن يعمد إلى زيارتها في مختلف أيام الأسبوع. وشجعه هذا الأمر على عقد معارف جديدة ساعدته كثيراً في تطويرأعمال الشركة الخاصة بهما، فانهالت عليهما طلبات شراء الرجال الآليين الخارقين. وفي أحد جلسات توقيعهما بروتوكول تجهيز غرف التحكم الإلكترونية في قسم السفارات، تعرف جدي إلى صبية سرقت لباب عقله، وهرب قلبه من صدره نحوها، وبات يسكن عندها. لم تكن تلك الصبية إلا جدتي المستقبلية التي أغرم بها جدي حتى الجنون منذ النظرة الأولى، ولم تكن قد تجاوزت  بعد عامها الواحد والعشرين، وكانت تتمتع بشيء من الجمال، وبكثير من الذكاء والجاذبية، فلم يتوقف جدي عن التفكير بها منذ أن التقيا، وطلب من كمال أن يأتيه بكافة المعلومات عنها.

لم يخب كمال ظن صديقه، ففعل المستحيل لكي يصل الى معلومات حول هذه الصبية التي سرقت لباب عقل جدي وقلبه. وبعد يومين من البحث المكثف، جاء كمال بكافة المعلومات عنها، وحين علم جدي بإسم فتاته بدا يدور في غرفة المختبر مردداً:” ندين…يا ندين…أسمك نغمة تغلغلت في قلبي، وأوقعتني صريع الحب.”

لم يتمالك  كمال نفسه، إنفجر بالضحك على حالة جدي نسيم وأردف قائلا:” آخ يا صديقي نسيم….ما أتعسك…أنت مسكين وقعت في فخ الغرام باكراً.”

دارت بين جدي وصديقه كمال جولات وصولات من المناقشات حول هذا الحب الذي اعتبره  كمال طبيعي في ظل انعزال جدي الكلي عن الحياة الإجتماعية وعن مخالطة الفتيات. وقد توصل كمال إلى التسليم بأن ما يشعر به جدي هو حب من النظرة الاولى، وتركه غارقاً وسط أمواجه ريثما يستيقظ عند أول ضربة يتلقاها من الفتاة حين تتركه أو يخطفها شاب آخر منه.

اعتاد كمال الحياة الليلية الصاخبة والعلاقات العابرة، وكان يسخر من نسيم في كل مرة يراه يستعد للقاء حبيبته ندين، ولم يترك كمال فرصة إلا وأستغلها في الحديث عن ضرورة  تنوع العلاقات مع النساء، وعدم الإرتباط بأول فتاة نصادفها، لأن هذا الأمر في نظره ضرب من الجنون. وبعد أن أدرك  أن جدي قد وقع فعلاً في فخ الغرام، بادره بنصيحة أخوية ألا وهي  تطويرعلاقته بندين، والإنتقال بها إلى مراحل أبعد والبحث عن المتعة معها. وفي كل مرة، يؤكد جدي لكمال أن ما يربطه بندين مقدس جداً، ولن يشوهه بأي خطوة رعناء، خاصة وأنه واثق كل الثقة بإختيار قلبه. ويردد جملته الشهيرة على مسمع صديقه:” سوف تثبت لك الأيام يا كمال أن ندين هي المرأة الأولى والأخيرة التي سأعيش معها أجمل لحظات حياتي بعد أن تصبح زوجتي.”

وفي كل مرة، يغضب كمال من هذا الكلام، ويعتبر أن نسيم شاب تنقصه الخبرات النسائية، ولا يفقه شيئاً من هذه الحياة. ولم يؤمن كمال يوماً بالحب، ولم تستمر أي علاقة له مع أي فتاة أكثر من شهر، فيبادر هو إلى إنهاء العلاقة ويبتعد ويتناسى وكأن شيئاً لم يكن.

حاول نسيم مراراً أن يستدرج كمال للحديث عن عائلته، عن الكوكب الذي ولد فيه، عن أبيه وأمه، عن إخوته، عن البيئة التي ولد ونشأ فيها، لكن وفي كل مرة كان كمال يصد جدي، ويتهرب من الإجابة، ويخرج من الغرفة مسرعاً، ويختفي حتى المساء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »