ادبياتعيون خاصة

OXYأوكسي : نهاية كوكب الأرض – الحلقة الرابعة – الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

 

 

الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

الإجتماع السرّيّ الطارئ

في غضون ربع ساعة من الزمن، كان ممثلو “هيئة الأمم العظمى” في اجتماع سرّيّ وطارئ. في وسط قاعة كبيرة ظهرت عشر شاشات توسّط كلّ واحدة منها  المندوب الخاصّ بكلّ أمّة . كان يقتضي النظام الداخلي لهذه الهيئة أن يدير الجلسة المسؤول الأكبر سنّاً. أضاءت شاشة مندوب الولايات الأوروبيّة المتّحدة ليباشر في الكلام.

نجتمع اليوم ونحن على مشارف مرحلة كابدنا جميعنا لدرئها، لكن وللأسف أصبح الوضع خارج السيطرة وأصبحنا في حالة التأهّب الكبرى مما يقتضي منا التحرّك بأسرع وقت. وصلتنا رسالة المركز العلميّ السرّيّ التابع للهيئة أنّ التمدّد النووي وصل إلى كلّ أرجاء الأرض. وسنشهد خلال الفترة المقبلة كوارث بشريّة وطبيعيّة تفوق كلّ قدراتنا.”

وتابع حديثه قائلاً:” سننتقل إلى الخطة البديلة. لم نعد نملك أيّ خيار آخر. سنبدأ عمليّات الإجلاء حسب الخطّة المتّفق عليها. يتقضي بادئ الأمر أن تبقى هذه المعلومات بعيدة عن الناس ريثما تصبح كلّ القيادات السياسيّة والأمنيّة  والعلميّة خارج الأراضي؛ ولتتولّى وحدات الذكاء الإلكترونيّ تسيير الأعمال بشكل طبيعيّ حتّى نتأكّد من عدم خسارتنا لأيّ من أفرادها. ستكون الأولوية ،كما تمّ الاتفاق، على فئة معيّنة. إنّه قرار صعب جدّاً. لن يكون في إمكاننا استيعاب مليارات البشر. كما أنّنا سنطلق المشروع الذي طال انتظاره والذي تمّ الموافقة عليه من قبل كلّ  الدول المتمثّلة في “هيئة الأمم العظمى”. علينا أن نؤمن أنّنا نكتب تاريخ جديد للبشريّة حيث لن يكون هناك  أيّ شوائب جديدة وستنعم البشريّة بسلالة منها نقيّة وذكيّة، لا بل فائقة الذكاء.”

لدينا أقل من 24 ساعة حتى نغادر الأرض”. أردف مندوب الولايات الأمريكية. وأضاف:“أتمنى أن ننهي هذا الإجتماع حالاً لكي نتمكن من اللحاق بالآخرين دون أيّ تأخير.”

انطفأت الشاشات العشر وساد القاعة صمت مفاجئ ومخيف.

 

 

 سنبقى معاً ونشيخ سوياً

يحاول “رافي” منذ أن تلقى التعليمات الأخيرة القاضية بضرورة ضبط إعدادات الصواريخ على حالة الإنطلاق الذاتي نحو مهمتها الأخيرة، أن يركّز على لوحة التحكّم أمامه.

لم يتخيّل يوماً أنّه سيساوم على حياته من أجل ضمان أمن وسلامة عائلته. إنّ  انقياده وراء طموحه والسعي لتحقيق الإنجازات الكبيرة لم يسمح له أن يرى المشهد على واقعيّته. لم يتوقف يوماً ليسأل نفسه  عن الأهداف الحقيقيّة الكامنة وراء تلك المشاريع العلميّة التي كلّفت ثروات طائلة وسنوات طويلة من العمل المضني؟.

“سنبقى معاً ونشيخ سوياً”. هذا وعد “إيلينا” له تأكيداً منها على استمرار رابط الحبّ العميق بينهما إلى أن يفرّقهما الموت.

“ستسامحني إيلينا”. تمتم رافي في سرّه وانهمرت دموعه. تحسّس جيب سترته الداخلي وأخرج علبة خشبيّة مربّعة الشكل، نام في داخلها خصلة شعر شقراء اللون  كان قد قصّها سرّاً من شعر ابنه “جيمي” في آخر زيارة له.. أخرجها “رافي” برفق ورفعها نحو وجهه، وبدأ يشتمّها ويقبّلها ودخل في حالة هستريّة رافقتها موجة من البكاء المكتوم.

الوداع سيكون مدمّراً لو حصل بينه وبين عائلته ولربما كان سيضعف قراره. لهذا عمد إلى قطع جميع وسائل التواصل بينه وبين زوجته التي كانت تنتظر عودته نهاية الأسبوع  ليحتفلا بعيد ميلاد ابنيهما .

“سيبلغ صغيري عامه السادس نهاية هذا الأسبوع وسيحتفل مع والدته في “الوطن الجديد”.  سيذهبا إلى كوكب سالم وآمن. فالأرض باتت على قاب قوسين من الإنفجار المدمّر الكبير.”

قلّب “رافي” في صور “جيمي” على الشاشة أمامه.أمنيته أن يغمض عيناه للمرّة الأخيرة على تفاصيل وجه ملاكه الصغير. هل ستتفهم “إيلينا” معنى التضحية المُقدم عليها؟.

بينما كان غارقاً في تساؤلاته ، كانت ساعة الصفر تقترب أكثر فاكثر.

 

 

محطة الانطلاق

في الأنفاق السرّيّة، التحرّكات على قدم وساق. القطارات الطائرة تصل الواحد تلوى الآخر ليترجّل منها أرطال من الرجال والنساء والأطفال. تناغم في الحركة، وتنظيم دقيق  تحت إشراف الوحدة المركزيّة للذكاء الإصطناعيّ.

في المحطّة الأخيرة، يُنقل “المسافرون” عبر مصاعد كبيرة إلى منصات المركبات التي ستنتقل بهم من كوكب الأرض إلى وطنهم الجديد. يسيرون كالروبوتات ضمن خط ّواحد. يمسك كلّ واحد منهم حقيبة صغيرة. التعليمات كانت واضحة وصارمة :” حقيبة صغيرة واحدة لكلّ “مسافر”تضمّ الأغراض الأكثرأهمّيّة.”

أمام تلك  المركبات الضخمة، تقف”الروبوتات الشابّة” لاستقبال “المسافرين” بابتسامة بلهاء وكلمات ترحيب سريعة. ومن بعدها، يتوزّع كلّ واحد من المسافرين إلى البوابة المخصّصة له. تتوجّه النساء  نحو البوابة المخصّصة لهن وكذلك الأمر بالنسبة للرجال والأطفال. في الداخل، يخضع الجميع  لمسح شامل  للتأكّد من خلو أجسادهم وملابسهم وحقائبهم من أيّ موادّ مشعّة .من ثمّ، تفعّل  الشريحة المزروعة في أعلى عنق كلّ مسافر تأكيداً على أن حاملها من فئة “المختارين” الذين تمّ اختياره  للخروج من جحيم الموت  إلى نعيم الحياة  والفرص الجديدة.

بدأت المركبة الأولى بإقفال أبوابها إستعداداً للانطلاق بعد أن حمّلَت جميع “المسافرين” المدرجين على لائحة رحلتها. بعد لحظات، انفصلت المركبة عن المنصة ودخلت في النفق الأفقي وانطلقت نحو الأعلى بأقصى سرعة.

وقف “جيمي” يراقب المركبة الطائرة بدهشة كبيرة.كان برفقة والدته في المصعد المتوجّه نحو إحدى المنصات. يتراقص فرحاً كلّما تذكّر أنّه سيدخل إلى مركبة فضائيّة حقيقيّة وسيعيش في داخلها لأشهر ويسبح في هذا الفضاء الفسيح. سحبته والدته من يده بعد ان وصلا مع الآخرين إلى منصة المركبة التي سيدخلون إليها. توقف “جيمي”  أمام “الروبو”  الذي رحّب بهما وقال له:” هل سترافقنا في الرحلة “مستر روبوت”؟”. انحنى الروبو نحو “جيمي” وابتسم له وأجابه:” رحلة موفقة يا صغيري. نحن سنبقى هنا لتأمين نجاتكم.”

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »