TAKANA-إمبراطورية إحياء الموتى الجزء الأول (وصية جدي) – الحلقة الحادية عشر والأخيرة كارينا أبو نعيم


كارينا أبو نعيم
الدخول نحو المجهول
بعد أن أنهيت قهوتي ووضعت الكوب على الرف الخشبي، بدأ يتبخر، راقبته بدهشة كبيرة حتى ذاب بشكل نهائي، فلم أستوعب كل هذه الأحداث الغريبة التي أمرّ بها، فنهاري كله عجائب وغرائب.
بدأتُ أشعر بالمقعد يتحرك ويدور بي، حتى أصبحتُ بمواجهة الرفوف الفارغة. لحظات،وتباعدت الرفوف عن بعضها، وتشكل من فراغها سواد قاتم، فشعرتُ وكأني أسبح في الفراغ، وشدتني كتلة هوائية كأنها تبلعني إلى جوف هذا الوحش الأسود، وبدأت تزداد سرعتها بشكل تدريجي، حصل كل ذلك وأنا مسمرٌ على هذا المقعد، فأحسستُ أن الوقت قد توقف، وأنني فقدتُ حاسة السمع، وفجأة تجمد مقعدي، وظهرت أمامي شاشة ضخمة.
“أهلاً بك ….كيف يمكنني أن أساعدك”. جملة كتبت على الشاشة الضخمة، وظلت لدقائق معدودة تومض بأحرفها الضخمة، كنتُ عاجزاً عن الحركة أو الكلام، ولكن هذا لم يمنع المضيف أن يعيد السؤال مرة جديدة لكن بشكل صوتي هذه المرة.
جاهدتُ حتى خرجت مني بعض الكلمات:” مرحباً، رغم عدم معرفتنا السابقة، لكن لا أعلم إن كنتَ تُدرك من أكون، ففي جعبتي وصية طُلب مني أن أنفذها بحذافيرها، وطلب مني جدي نسيم أن أقابل “الأستاذ””.
وانتظرتُ دقائق معدودة لعلني أتلقى رداً منه.
انطفأت الشاشة ، وساد ظلامٌ دامسٌ، شعرتُ خلالها أنني في ورطة كبيرة، وفي تلك اللحظة، تذكرتُ طفولتي مع جدي نسيم، وجلساتنا الطويلة في حديقته، واهتمامه الكبير في تلقيني العديد من المهارات، فمنذ اللحظة الأولى، ربطتني بجدي علاقة قوية امتدت حتى ما بعد وفاته.
كنت ممسكاً بذاكرته التي وضعتها داخل الحاضنة التفاعلية، كما أوصاني أن أفعل حين أصبح في حضرة “الأستاذ”.
بدأت تلك الحاضنة تومض بالكامل، وتهتز بين أصابعي، وكأنها بركان على أهبت قذف حماه، فطارت الحاضنة، وعلت فوقي، وخرج منها شعاع أبيض اخترق العتمة، وتمركز في وسط الشاشة الضخمة، لحظات حتى بانت أرقام تشير الى العد العسكي: 6….5….4….2…1…. وظهر جدي نسيم جالسٌ وراء مكتبه بابتسامته الساحرة.
لم أفهم ماذا حصل، لكنني بقيتُ أراقب الأحداث بدهشة كبيرة، بعد ظهور جدي نسيم على الشاشة سمعت صوته الرخيم وهو يلقي التحية ويكمل قائلا”:”حفيدي العزيز، أعلم أنك في حيرة مما يحصل، لكنني أوكد لك أن ما ستشهد عليه الآن، سيكون بداية حقبة جديدة، سيعيش في قوانينها أبناء جيلكم. تساءلتَ كثيراً عن سبب إلقاء مسؤولية تنفيذ وصيتي عليك أنت بالذات، فلم تجد أجوبة على كثير من الأسئلة في رحلتك الغريبة. بدايةً، دعني أخبرك قصتي، وحين أنهي رسالتي، لك كامل الحرية في إتخاذ القرار الذي تراه مناسباّ لك.”
شعرتُ أن الهواء قد نفذ من هذا الفراغ الساحق، بقيتُ اتأمل الشاشة التي تحولت الى بياض من جديد، حسبتُ أن جدي سيقفز من هناك، ويركض نحوي، ويضمني إلى صدره، كما كان يفعل في كل مرة أغيب عنه أيام. لقد كان مغرماً بشرب القهوة، حتى هنا في هذا التسجيل كان فنجان القهوة رفيقاً له، على الرغم من تحذير الأطباء من ضررها على جهازه الهضمي بقي مواظباً على شربها، فشجرة القهوة في أيامه أصبحت مهددة بالانقراض والزوال والإختفاء، بسبب التغيير المناخي الذي عاشه كوكب الأرض في أواخر الألفية الثانية، ولهذا عمد إلى إعداد نسخ تفاعلية طبق الأصل عن أشجار القهوة، وأنقذها من التلف والانقراض، وأرسلها الى مخازن مستعمرة كوكب “زيفوت” ZIFOOT ،المخصص لتخزين كل أنواع الغذاء البشري المُعرض للانقراض.
لم يكن جدي رجلاً عادياً، حضوره لطيف، وطلته بهية، وحديثه جاذب، وابتسامته ساحرة. كنت أتساءل في كل مرة ألج صومعته، بعد أن سمح لي أن أدخل عالمه الخاص، لماذا لم يختار جدي رفيقة له بعد وفاة جدتي ندين ؟ لم أكن أملك أي جواب على تلك التساؤلات، لحين جاء ذلك اليوم الذي لم أنسى حتى اللحظة تفاصيله الصادمة. في ذلك النهار، كنت فرحاً بإحدى انجازاتي التقنية التي نالت الموافقة، ودخلت حيز التطبيق. فشعرتُ بفخر كبير خاصة وأنني حفيد العبقري نسيم، صاحب الابتكارات والانجازات والاختراعات التي لا تحصى. ركضتُ نحو الحديقة دون أن أراعي البروتوكول المتفق عليه بيني وبين جدي. فكان علي أن لا أجتاز الحدود قبل أن أرسل رسالة أعلمه فيها بقدومي، وكان هذا شرط جدي الوحيد كي يسمح لي بالتطفل على عالمه، واقحام نفسي فيه، ومن فرحتي، نسيتُ كل شيء، ودخلتُ عليه من دون استئذان، فوجدته متقوقعاً في إحدى زوايا الحديقة غارقاً في موجة من البكاء. إعتقدتُ للوهلة الأولى أنه يعاني من نوبة ألم مفاجئة، لكنني اكتشفت حين توجهت نحوه أنه يحتضن ذاكرة جدتي ندين التفاعلية التي كانت تظهر منها الأفلام والصور بشكل تلقائي، وكان جدي يتمم كلمات لم أفهمها من شدة بكائه، ويلاحق الصور ويقبل ظلال وجه جدتي ويعود ليغرق في موجة بكاء عنيفة.
انسحبتُ دون أن أشعره بوجودي. فهربتُ إلى شاطئ البحيرة الاصطناعية، وجلستُ تحت ظلال أشجارها التفاعلية، وغرقتُ في حزن شديد، ولم أخبره بما حصل، وانقطعتُ عن زيارته لأكثر من أسبوعين، وتملكتني حالة إكتآب حادة، صحيح أننا بشر، لنا قلب ومشاعر، لكنني كنت عديم الخبرة في مسائل الحب والعشق والعواطف. وعلى الرغم من كل هذا، إشتهيتُ أن يكون لي حبيبة ألتجأ إلى أحضانها، وأذوب بين أصابعها، وأبكيها عشقاً وولعاً، وأكتب فيها أجمل القصائد كتلك الأشعار التي وجدتها في خزانة جدي بعد وفاته، وكان قد أوصى أن أستلم كل أوراقه ومذكراته وكتاباته ومشاريع إنجازاته، وكأنه يدعوني إلى أن اقرأها وأفهمها وأن أكتب عنها وعن معاناته.
