

الكاتبة كارينا أبو نعيم
نحو “الوطن الجديد”
على منصة المركبة التي سيسافر عبرها “جيمي” ، وقف ينتظر دوره للخضوع إلى عمليّة المسح. كان سعيداً بشكل لافت جدّاً. يدور حول نفسه ناظراً ومتفحّصاً كلّ تفاصيل هيكلها. أمامه مجموعة من الأطفال يقاربونه في العمر، يدخلون الواحد تلو الآخر إلى آلة المسح الشعاعيّ.
يراقبهم “جيمي” بترقّب وخوف ويتساءل في سرّه ماذا تفعل هذه الآلة؟ هل تبتلع الأطفال؟ .
سرح في خياله، وعاد بالذاكرة إلى الأيّام التي كان يلعب فيها ” لعبة الأفكار” يحاكي فيها القضايا غير المحلولة والألغاز الغامضة. تفوّق في حلّ معظمها رغم صغر سنّه. واستطاع أن يحتلّ المراتب المتقدّمة بين مئات المشاركين من راشدين وأطفال.
لاحظ “جيمي” أنّ هؤلاء الأطفال الوافقون معه والذين ينتظرون دورهم ، صامتون ووجوحهم شاحبة، وفي عيونهم نظرات يسكنها الفراغ. يتحرّكون وكأنّهم روبوتات صغيرة مسيّرة. تفصل بينه وبينهم مسافة قليلة. حاول الاقتراب منهم غير أنّه اصطدم بفاصل غير مرئيّ منعه من التقدّم نحوهم.
بتردّد واضح يشوبه الخوف، سار باتجاه “الروبو” الحارس لبوابة آلة المسح. في رأسه تدور عشرات السيناريوهات المرعبة، والتكهّنات حول ما سيحدث معه داخل هذا الجسم الحديديّ. استقبله “الروبو” قائلاً:” أهلاً بك في تجربتك الفريدة نحو بلوغ “الوطن الجديد”.
دخل “جيمي” إلى الآلة وقلبه يخفق بسرعة كبيرة. أُغلق الباب وانطفأت الأضواء وساد صمت مهيب. لحظات وانبعث صوت يردّد:” بدأت عمليّة المسح نرجو عدم الحركة”.
أًضاء خطّ رفيع أخضر الظلمة الحالكة، وبدأ ينسحب على جبهة “جيمي” العريضة نزولاً نحو أنفه ثمّ ذقنه، ومن ثمّ نحو كافة جسمه الصغير. لم تستغرق هذه العمليّة سوى دقيقة، وربما أقلّ، عادت من بعدها الأنوار داخل هذا الجسم الحديديّ البارد، وصدرمن جديد ذلك الصوت قائلاً:” العينة نظيفة.”
خرج “جيمي” يرافقه سهم أخضر شفاف طائر يقوده إلى الطريق. عند مدخل المركبة، انطلق السهم الأخضر مباشرة فلحق به راكضاً.
توقّف السهم مشيراً إلى “جيمي” بضرورة أن ينتظر في النقطة التي حدّدها له. تجمّد في المكان المحدّد حيث ظهرت فجأة دائرة تحت قدميه بدأت تتوسّع شيئاً فشيئاً. لمح “روبو ” صغير يقترب منه، وحين أصبح وجهاً لوجه معه ، أخرج هذا الروبو من بين أصابعه كرة شفافة مضيئة طارت على الفور وغطت على كتف “جيمي”. حاول أن يتفحصها بعينيه الخضراوين لكنّه كان خائفاً جداً.-
بعد قليل، تموّجت الكرة بألوان متعدّدة وتوهّجت وخرج منها السهم الأخضر مشيراً إلى صديقه الصغير أن يلحق به. فهم “جيمي” وبشكل تلقائيّ أنّه يرشده إلى مكان إقامته الجديدة. شعر بتواصل قويّ بينه وبين هذا السهم، ولم يستطع تفسير ما يحدث معه. كلّ ما كان يحتلّ تفكيره في تلك الأثناء، هذه المغامرة الجديدة التي يقوم بها. فهو في نظر نفسه ” البطل الخارق” الذي سيسبر أعماق الفضاء الفسيح، ويسبح بين النجوم وينتقل من كوكب إلى آخر. تذكّر حينها قصّة ” الأمير الصغير” الذي سكن إحدى الكواكب. إنّه هو….إنّه هذا الأمير الصغير الحالم والعاشق للمغامرات.
الرسالة المستعجلة
كانت “إيلينا” قد انتهت من المسح الشعاعيّ وتتحضّر لتتسلّم مكان إقامتها الجديد. لم تنقطع عن التفكير بزوجها “رافي” وعن مكان تواجده وسط هذا الكم المهيب من المسافرين.
تستعيد في رأسها لحظة وصول الرسالة المستعجلة من “رافي” وتتذكّر “سالي”، الروبو المرافقة لها في المنزل، حين جاءت إليها تُعلمها بضرورة استقبال الرسالة . ظهر”رافي” وسط الغرفة بملامحه المتعبة، وكأنّه كبر فجأة سنوات عديدة. اقترب من زوجته مبتسماً وقال لها:” اشتقتُ لكم كثيراً.”. لم تستطع “إيلينا” أن تتمالك نفسها . اندفعت نحوه وضمّته وتداخلت الصورة مع جسدها وبقيت حاضنة لانعكاس الصورة وانهمرت دموعها بغزارة.
“عليكِ التحرّك بسرعة أنتِ و”جيمي”. أرسلتُ لكما الكود الذي يخولكما المرور إلى محطة الإنطلاق. لم يعد هناك متسع من الوقت. احملي حقيبة صغيرة واحدة ضعي فيها أهمّ الأغراض. إنّها الفرصة الأخيرة للنجاة قبل أن تحلّ الكارثة. انطلقي الآن فالوقت المتبقي سيتيح لك الوصول والدخول والانطلاق نحو كوكب جديد.أعلم جيداً ما يدور من أسئلة في رأسك. ستجدين جميع الأجوبة خلال الرحلة إلى الوطن الجديد.تذكري جيّداً أنّني أحبّكما جدّاً ….إلى اللقاء يا حبيبتي.”
