وعاد قلمي يكتب…امل هواري

.
لم تكن الفترة الماضية سهلة، ولم تكن مشاعر الدفء تلف قلمي كما كانت في السابق، فالقلم البارد عاجز عن كتابة أحاسيسه بتجرّد.
لكن القلم البارد، مثل حركة الإنسان، كلما دوّن فكرة، شعر بالدفء.
فدفء الحياة يكمن في لحظات بسيطة: ضحكة صادقة، لقاء عزيز، أو شعور بالطمأنينة وسط الأحبة.
جلست وحدي على الكنبة، وكأن الكون كله توقف عن الحركة، وأغمضت عيني لأغرق في حلم اليقظة الدافئ، حلم ينساب كأنه شريط سينمائي يعرض أجمل وأرق وأدفأ ما يمكن أن تصوره مخيلة البشرية.
رأيت نفسي أمشي، أتنفس من أنفي، وأخرج الهواء من فمي ثلاث مرات متتالية؛ شهيق زفير، شهيق زفير، شهيق زفير. أمشي في حديقة واسعة، تتمايل أزهارها مع نسيم لطيف يلامس وجهي برفق. كانت السماء فوقي زرقاء صافية، والطيور ترسم لوحات موسيقية بأجنحتها. على بُعد خطوات، ظهرت طاولة خشبية صغيرة، عليها كتاب مفتوح، كأنما ينتظرني لأقرأ حكايته.
جلست هناك، وشعرت بأنني أنتمي لهذا المكان كما تنتمي النحلة إلى زهرتها. في هذا الحلم، كان كل شيء يتنفس دفئًا؛ الأشجار تهمس بحكايات قديمة، والماء الجاري يردد أغنية لا نهاية لها. شعرت أن الحياة لا تحتاج أكثر من هذه اللحظة، حيث التقاء الطبيعة بالحلم، والروح بالسكينة.
في هذا الحلم، لم يكن هناك شيء يزعج أو يقاطع الصفاء. كان كل شيء هادئًا، ولكن في الوقت ذاته مليئًا بالحياة. أغمضت عيني في حلمي مجددًا، وسرحت إلى عالم أعمق، حيث كل فكرة تتحول إلى صورة، وكل شعور يصبح ملموسًا.
عدت إلى واقعي، وأنا أحمل معي دفء تلك اللحظة، كأنها رسالة من الحياة تهمس لي: «حتى في صخب الواقع، يمكن لحلم اليقظة أن يكون وطنًا صغيرًا للروح.»
فتحت عيني ببطء، وكأنني أستيقظ من عالم آخر، ما زال دفء الحلم يلامس أطراف قلبي.
نظرت حولي، كان كل شيء كما تركته: الكنبة، الغرفة الصامتة، والنور الخافت الذي يتسلل من النافذة. لكن شيئًا بدا مختلفًا، كأنني أحمل في داخلي شعلة صغيرة تشع نورًا وسط ظلام الروح.
وضعت يدي على قلبي، وشعرت بنبضه أقوى مما كان. أدركت أنني لم أخرج من الحلم، بل جلبت الحلم معي. ابتسمت، ورفعت قلمي مجددًا. هذه المرة، لم يكن قلمي باردًا. كان ينبض، كان يكتب… وكان كل حرف يشبه دفء تلك اللحظة التي لا تزال تعانقني.
فكتبت: “الحياة ليست دائمًا سهلة، لكن حتى وسط الصخب والبرد، يكفي حلم صغير يعيد للروح دفئها. ففي نهاية الأمر، نحن الذين نصنع دفء الحياة بأيدينا، ونزرعه في قلوبنا”
