ادبيات

فانسينت فان غوغ الإنسان-كارينا ابو نعيم

 

كارينا ابو نعيم

 

حكايتي مع فان غوغ مختلفةٌ كلياً، لقد تعرفت إليه حين كنت صغيرةً جداً، لكنني كنتُ أجهل  من يكون، كان يزين جدران غرفتي كل فترةٍ بلوحةٍ جديدةٍ. وكنت في كل مرةٍ أبهر بألوان لوحاته، وطريقة رسمه، خاصة  تلك الدوائر  التي شكلت القاسم المشترك في كل ما أبدعه فنسنت من لوحاتٍ. في غرفتي  كبرت مع صديقي فنسنت، وحين ألقيتُ القبض عليه وهو يعلق لي لوحة  “بورتريه ” خاصة به على جدار الغرفة خلسةً، أمسكتُ بمريوله الكاكي المثقوب في كل الجهات والمليء ببقع ألوانٍ شاخت بين تفاصيل القماش، ولم أتركه قبل أن يقرّ لي على كرسي الإعتراف :من يكون؟

تكلم فنسنت ولم أفهم منه كلمةً واحدةً….شردتُ في عينيه لعلني التقط منه إشارةً تعيده الى الواقع إلا أنني وجدته هائماً …حزيناً…مكسور القلب … فنسينت لم يكن يبكي، إنما كانت نظرته الحادة تخترق القلب والروح . أمامي شبه إنسانٍ …يمشي كأنه مسيّرٌ، ووقع خطواته ثقيلة ٌغير آبه بما يجري من حوله…. حاولت أن أجلسه  على كرسي مكتبي لعلني أحظى بفرصةٍ جديدةٍ لأتعرف على هذا الزائر الغريب… لكنه إستطاع أن يهرب من بين أصابعي الصغيرة ويختفي …

بعد محاولاتٍ فاشلةٍ في البحث عنه في أرجاء الغرفة، حملت اللوحة وخرجت لعلني أجد الجواب في مكان ما. وما إن رأتني أمي أحمل لوحته ركضت صوبي وخطفت اللوحة من بين أصابعي،  وبدأت رحلة الإستجواب… من أين أتيتِ بهذه اللوحة؟ ماذا أجيبها؟ هل أقول لها ما حصل معي؟ هل ستصدقني؟ لكنني أردت أن أرد السؤال بسؤال :من يكون هذا الرجل يا أمي؟”….نظرت والدتي إليّ بحيرةٍ  كبيرةٍ…أعادت التأمل في اللوحة وبعد دقائق من الصمت الثقيل أجابتني: أنه فنسنت فان غوغ .

 

من الطبيعي أنني لم أخبر أمي بأن فنست صديقي، وأنه يأتي لزيارتي كل فترةٍ، ويزين جدران غرفتي بلوحاته لكانت أعتقدت أنني أصبت باضطراباتٍ نفسيةٍ وعقليةٍ، خاصة وأنني كنت أخبىء لوحاته تحت فراشي كي لا يكتشفها أحد.

كبرتُ و تعلمتُ لغةً مشتركةً جعلتني أتعرف الى الرسام الكبير فنسنت صاحب القلب الكبير والإحساس المرهف الى حد الجنون. هكذا هم العباقرة دائماً تشوبهم حالاتٌ غريبةٌ لا يفهمها معظم الناس… وهذه هي ميزة الإبداع لديهم وإلا لما كانوا مبدعين وخالدين في التاريخ….

لا أحد ينكر بأن فنسنت فان غوغ الرسام العبقري كان يعاني من أزماتٍ نفسيةٍ عديدةٍ جعلته في نظر الآخرين غير مستقرٍ وغير طبيعيٍ ويتنقل معظم أيام حياته بين المصحات النفسية. لكن حين تقرأ رسائل فنسنت لاخيه ثيو تدرك تماماً أن هذا الرسام  عاش وحيداً الى حد الجنون …مُهملاً الى حد الموت، وكان ينقصه العطف والحنان والحب. ولو كان فنسنت إنساناً طبيعياً ربما لما كان توقد الإبداع الفني بداخله، وحجز له مكانةً مرموقةً بين الرسامين المبدعين والخالدين….

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »