داخل عقارب الزمن.. بقلم امل هواري

بينما كنت أحدّق في الساعة المعلّقة على الحائط، عقاربها تتحرك بلا هوادة، وكأنها تسخر من عجزي أمام الوقت. إنه من أهم الأوقات في حياتنا، بل ولحظاته تُصنَّف على أنها غالية. كانت الساعة قطعة قديمة، إرثًا من جدتي رحمها الله، فعلاً لقد كانت شاهدًا صامتًا على أيام مرّت دون أن أدرك قيمتها.
في تلك الليلة، كنت غارقةً في التفكير، وكانت أحبالُ أفكاري تجول بين الماضي والحاضر ورغبة المستقبل. تارةً في تأنيب الضمير، وتارةً في العصيان، وتارةً من الشوق والحنين. ربما لقد أخطأت كثيرًا في حق نفسي، أو في حقه، ومن هو؟ الأب، الأخ، الصديق، الحبيب، الزوج، وكل ما يجول في البال. أو في حقهم. ربما قد أضعت فرصًا كان يجب أن أتمسك بها، أو أن نتمسك بها معًا. تمنيت لو أستطيع إعادة الزمن، لو أعود لأصلح الأخطاء والهفوات
وأرتق ما مزقه الوقت.
هل من فرص قد ضاعت؟ أو أن هناك من لم يتمسك بها
وأضاعها من يده؟
في تلك الليلة، كنت غارقةً في دوامة من تأنيب الضمير والزعل من الذات، كذلك زعل من الآخر الغائب الحاضر، الغائب جسدًا والحاضر روحًا. فكرت في كل الفرص التي ضاعت مني؛ قرارات تسرعت فيها دون تفكير، أحباء رحلوا لأنني لم أكن حاضرة بما يكفي، ولم أعطهم الاهتمام الذي يستحقون. أو ربما أخطأوا في حقي، لكنني كنت أكثر قسوة من أن أغفر لنفسي أو أن أغفر لهم. وناس جُرحوا بكلماتي أو أفعالي دون قصد بكل تأكيد. لكن لماذا الزعل من الذات؟ فالآخر بادر بنفس الطريقة والأسلوب. كنت أشعر بأنني لا ألوم نفسي فقط، بل حتى الزمن الذي بدا كأنه عدو. كأنَّ عقاربه كانت تسرق لحظاتي وأوقاتي الثمينة دون رجعة. وهنا تساءلت: ماذا لو استطعت إيقاف الزمن؟ ماذا لو أعطاني الوقت فرصة لإعادة الأمور إلى نصابها؟
كلما فكرت أكثر، زادت رغبتي في إيقاف الوقت، في تجميد كل شيء عند تلك اللحظة قبل أن تبدأ الأخطاء. أو ربما العودة للوراء، لأقول كلمة “أنا آسف”، أو كلمة “لا ترحل”، أو حتى كلمة “أنا أحبك” التي لم أملك الشجاعة يومًا لنطقها.
بينما كنت أفكر في كل ذلك، بدأت الساعة تصدر صوتًا غير مألوف. لم يكن مجرد “تك تك”، بل نبضات متسارعة، وكأنها تحاول التواصل معي. اقتربت منها بحذر، ووضعت يدي على زجاجها البارد. فجأة، شعرت بشيء يجذبني نحو الداخل. حاولت المقاومة، لكن قوى غامضة تغلغلت إلى جسدي وسحبتني داخلها.
وجدت نفسي داخل آلية الساعة. كل شيء كان ضخمًا؛ التروس تدور بصخب، والعقارب تقف شامخة كجبال حادة. بدا وكأنني أتحرك داخل قلب الزمن نفسه. نظرت حولي، فوجدت بابًا صغيرًا يحمل نقشًا يقول: “لتغيير العقارب، عليك أن تواجه ما كنت تهرب منه.”
أواجه ما كنت أهرب منه؟ دخلت بحوار صاخب داخل جمجمتي، وكأن هناك نسختين مني تتجادلان وتتواجهان.
أنا الأولى: أنا؟ أهرب؟ مستحيل! أنا لا أخاف المواجهة. لقد كنت دائمًا قوية وصريحة. لم يكن هناك شيء يخيفني قط!
لتجيبها أنا الثانية: هل حقًا؟ إذا كنتِ لا تخافين، لماذا تركتِ كلمات الاعتذار في حلقك مرارًا؟ لماذا هربتِ من لحظات كان بإمكانكِ فيها قول الحقيقة؟ لماذا هربت من لحظات كانت ستبقيك سعيدة طوال حياتك؟
الأنا الأولى، ولكن هذه المرة بغضب دفاعي: لأنني لم أرَ ضرورة لذلك! ليس كل شيء يستحق المواجهة.
الأخرى وبثقة: ليس الأمر أنكِ لم ترَ ضرورة، بل لأنكِ كنتِ تخافين من النتائج. كنتِ تخشين الضعف، تخشين أن يراكِ الآخرون كما أنتِ… إنسانة تخطئ أو حتى في بعض الأحيان إنسانة تريد حقها في الحياة، حقها وليس أكثر.
الأولى وبصوت خافت: لكن… أنا لست جبانة.
الأخرى وبحزم: الجبن ليس في الخوف. الجبن في الهروب من الخوف. الآن أمامك خيار: إما أن تواجهي، أو تستمري في الاختباء خلف نفسكِ القديمة.
عندها، سكتتُ، وكأن شيئًا في داخلي انكسر، أو ربما تحرر. أدركت أن تلك المواجهة مع نفسي كانت أصعب من أي مواجهة مع الآخرين.
هنا بدأت أفهم ما يعنيه النقش، لكنني وبكل إصرار فتحت الباب ودخلت. فجأة، ظهر أمامي مشهد من الماضي. كان ذلك اليوم الذي جرحت فيه أحدهم بسبب كلمات قلتها في لحظة غضب. شعرت بالخجل، ورغبت بشدة في التقدم والاعتذار، لكنني كنت مجرد متفرج. سمعت صوتًا داخليًا يقول: “لتعيد الزمن، عليك أن تتعلم قيمة الوقت أولًا، والأهم قيمة الناس في حياتك، وأهميتهم، ومحبتهم، وأولويتهم.”
عندها أدركت أن تغيير العقارب لن يكون مجرد تعديل ميكانيكي. كان عليّ المرور عبر أخطائي، مواجهة ندمي، وإيجاد الشجاعة لأصلح الأمور.
في اللحظة التالية، وجدت نفسي أمام عقارب الساعة العملاقة. كانت تتحرك بثقل، وكأنها تقاوم التغيير. وضعت يدي على إحداها، لكنها كانت ساخنة كالجمر. شعرت بحرقة الذكريات التي حاولت أن أدفنها، أو حتى أن أتجاهلها أو أن أنساها. دفعتها بكل قوتي، وفي النهاية، توقفت.
توقفت الساعة وعقاربها، لكن الزمن لم ينتظرني ولن ينتظر أحدًا. جلست للحظة، أتنفس بعمق، وفكرت أن ليس كل شيء يمكن إصلاحه. هناك علاقات انتهت، وفرص ولّت، وقطارات فاتت. لكنني أدركت أن العبرة ليست في إعادة عقارب الزمن للوراء، بل في المحاولة من جديد.
ربما لن أتمكن من استرجاع ما فقدته، وربما لا، لكنني أستطيع أن أبدأ من اللحظة التي أنا فيها الآن. الحياة والحب والعلاقات تستحق منا الشجاعة. تستحق المحاولة مرارًا وتكرارًا، حتى لو بدا لنا أن الأوان قد فات.
داخل عقارب الزمن، تعلمت أن الماضي لا يمكن تغييره، لكن المستقبل ملك أيدينا. فلننهض من أماكننا، ولنبدأ بالخطوات الأولى: كلمة “أنا آسفة”، كلمة “كيف حالك؟”، كلمة “لنحاول من جديد.” والكثير الكثير، لأن الحياة قصيرة، لكنها أيضًا مليئة بفرص تستحق أن نمسك بها بكل ما أوتينا من قوة.
