ادبيات

ماذا ينتظر القراء من كتّابهم؟- كارينا ابو نعيم

هذا السؤال يتبادر إلى ذهني في كل مرة أقرأ فيها بعض الأعمال الجديدة لكتّاب وكاتبات شبان يخوضون غمار الكتابة حديثاً.
والمفارقة الكبرى، أننا نشهد فورةً كبيرةً في الإنتاج الكتابي على الرغم مما خلفته جائحة كورونا المستمرة حتى اللحظة ، وإن بوتيرة أخف، من أزماتٍ إقتصاديةٍ وماليةٍ عالميةٍ وعربيةٍ ومحليةٍ. فالاسماء والعناوين تتزاحم علينا عبر المواقع الثقافية والأدبية ومنصات المكتبات ووسائل السوشيل ميديا كأنها تعلن حالة تمردٍ على واقعنا الهش والهزيل. إلى جانب ذلك، نلحظ بقوةٍ حركةً نشطةً جداً في ترجمة الأعمال الكتابية من لغتها الأصلية إلى اللغة العربية، خاصة في مجال التنمية البشرية أو الكتب الأكثر شهرة على الساحة العالمية. ولهذا النشاط وجهٌ ايجابيٌ ، فالمكتبات العربية تحتاج إلى ورشة ترجمةٍ كبيرةٍ ومنظمةٍ ونافعةٍ تغني ثقافتنا وتفتح آفاقاً جديدةً نحو ثقافاتٍ أخرى وأعمالٍ أدبيةٍ وشعريةٍ وثقافيةٍ وعلميةٍ وتاريخيةٍ لخلق مساحاتٍ جديدةٍ للحوار والتلاقي على الرغم من كل الاختلافات.
ومن خلال باقةٍ كبيرةٍ من أسماء كتّاب وكاتبات عرب نشطوا خلال السنوات الخمسة الاخيرة ،على سبيل المثال لا الحصر، في تقديم أعمالٍ روائيةٍ وأدبيةٍ وقصصيةٍ في اتجاهاتٍ مختلفة ٍ نال فيها أدب الفانتازيا والرعب والتشويق المرتبة الأولى، يبقى لنا أن نعيد طرح السؤال لكن في صيغةٍ معكوسةٍ :ماذا ينتظر الكتّاب من قرائهم؟
بقي عدد من الكتاب والكاتبات المخضرمين سائرون على نفس نهج أعمالهم الروائية والأدبية السابقة من دون أن يتورطوا في تقديم نسخة مستحدثة منهم تحاكي مزاج القارىء العربي الشاب حالياً. فهم يحتجون، وإن في مجالسهم الخاصة ،أن هذه الاعمال “موجة” لا بد أن تنتهي. ودليلهم القاطع على ما يقولونه أن بقاء أدب وروايات كبار الكتاب متواجدة ومطلوبة جداً وما زالت دور النشر العربية تنتج طبعاتٍ جديدةٍ من أعمالهم.
إذن، ماذا يريد كتابنا الشباب أن يقولوا لنا من خلال أعمالهم الجديدة؟ إنهم يطلقون صرخة إنذارٍ أن التغيير قد حصل، والمطلوب والمرغوب به سيكون منذ هذه الحقبة من خارج الكلاسيكيات التي عاش عليها أهلنا وجزء من جيلنا. فلنقرأ لهم ولنسمع أفكارهم ومطالبهم. فأعمالهم على الرغم من أنها تتفاوت ما بين درجة الجيد والوسط ولا بأس بها، إلا أنها تحمل بذور أفكارهم الجديدة. إن شئنا أو أبينا، نحن في حالة تغييرٍ في مزاج القارىء وفي أفكار الكتّاب. هذا التطور، إن أحببناه أم كرهناه، هو واقعٌ إن لم يكن اليوم فهو حاصلٌ في الغد القريب.
إن أنواع الأدب كثيرة ومتنوعة ولا يمكننا أن نقف عند عددٍ قليلٍ منها ونديرظهرنا إلى الباقي. نحن نحتاج إلى أدبٍ بوليسي عربي النكهة على سبيل المثال يأسرنا ويجعلنا نتحول إلى محققين نبحث مع أبطال الرواية عن المجرمين أكيد ضمن حبكة ذكية ومشوقة وجاذبة. نحن نحتاج إلى أدب الخيال العلمي الذي يجعلنا نسافر في الخيال ونطير ونحلق ويضيف لنا معلوماتٍ علميةً، لأن هذا الادب يتطلب الكثير من الأبحاث والإعداد قبل الكتابة كي يصيب هدفه. نحتاج إلى أدب وطني يعزز دور الإنسان العربي كمواطن مساهم في الحفاظ على أرضه ووطنه وهويته الثقافية بإنفتاحٍ حضاري. وأن يشكل الأدب جسر تلاقي بين جميع الناس على اختلاف أجناسهم وانتماءاتهم الدينية والثقافية والأثنية. على الأدب أن يكون بوابة يدخل منها الجيل العربي اليافع إلى العالم وهو متسلحٌ بمهنيةٍ علميةٍ وعمليةٍ ممتازةٍ. لمن فاته الأمر، هذا هو دور الثقافة وهذا هو عمل القراءة بشكل مباشر وغير مباشر.
لم تعد الرواية الرومانسية وقصص الحب والغرام هي وحدها المطلوبة. ينتظر القارىء من الكاتب أن يحاكي تطلعاته وإهتماماته خاصة وأن الجمهور الشاب أعداده كبيرة في الوطن العربي ينتظر من يحاكيه دون أن يؤثر فيه سلبياً.
من هنا، لا بد لنا أن نأخذ مزاج التغيير على محمل من الجد، وأن نستفيد من موجة هذا الإنتاج الغزير، ونعمد إلى إستيعاب ما يطلبه القارىء ،طبعاً دون أن يتنازل الكاتب عن هويته الأدبية.
إن المتغييرات الحاصلة في العالم بأكمله، ومع دخولنا في عامنا الثالث لما بعد جائحة كورونا، وما سيتبعها من ازمات عالمية جديدة قاسية وغريبة، على الكتّاب العرب أن يواكبوا هذه المتغييرات بكل إحترافية وأمانة وأن يكونوا الجسر الآمن الذي يمر من خلاله القراء. هذا ما ينتظره كل قارىء من كاتبه أن يكون له المعين وأن يحدث في داخله هذا التغيير الإيجابي الذي لا يضاهيه شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »