

الكاتبة كارينا أبو نعيم
قبل الإنفجار بساعات قليلة….
كانت الصدمة كبيرة، حين وقفنا، نبيل وأنا نشاهد تلك المركبات، والأعداد الهائلة من الناس المنتظرة على منصاتها للمغادرة.
نظرنا إلى بعضنا بذهول، نحاول بدايةً إلتقاط أنفاسنا، بعد أن ركضنا نزولاً هذا النفق الحجريّ، وليتبين لنا بعد وصولنا إلى هذا السفح، أن في جوف “مقبرة القطارات” تقبع محطة إنطلاق لمركبات فضائيّة مهولة تقلّ البشر إلى مكان ما.
تساءلت متوجّهاً إلى نبيل: ” هل نحن نحلم؟ ماذا تفعل تلك المركبات ولماذا يصعد إليها كلّ تلك الأعداد الهائلة من الناس؟”.
أخرج نبيل من جيب سترته لوحاَ ذكيّاَ، ونظر إليَّ قائلاً:” سوف نعرف الآن إن كنّا من هؤلاء “المختارين” الذين سيكون لهم فرصة حياة جديدة.”
أمسك يدي ووضع كامل كفّي على سطح شاشة اللوح وقال لي:” دعنا نعرف الآن.”
قامت الشاشة بمسح شامل لكفّ يدي. وبعد إنتهاء العمليّة ظهرت على شاشة اللوح كلمة ” العينة غير متطابقة” رافقها صوت يقول :” العينة المستخدمة غير مدرجة على اللائحة”. وبقي يتردد الصوت لحين قام نبيل بالضغط على الشاشة مرّتين حتّى توقّف كلّ شيء.وقبل أن أنطق بكلمة بادر نبيل قائلاً :” هذا ما توقّعته. حتى أنت يا صديقي مصيرك الهلاك…”
أحسستُ في تلك اللحظة أنّني في دوامة لا تنتهي، خاصّة وأنّني لم أفهم ما يقصده.
تابع نبيل:” نحن عالقون هنا على الأرض. وما نشاهده هنا هو عمليّة إجلاء لمن تمّ إختيارهم وإنقاذهم من الدمار الشامل الذي سيصيب الأرض في الساعات المقبلة.”
“صومعة الأبديّة”….
نزلت كلماته كالصاعقة عليَّ وتجمّدتُ في مكاني غير مصدق لما أرى وأسمع.
هزّني نبيل صارخاً:” الوقت ليس لصالحنا …هيّا تحرّك علينا الخروج من هنا ومحاولة الوصول إلى “صومعة الأبديّة”.”
أفكار كثيرة تتصارع في رأسي ونحن في السيّارة متوجّهين بأقصى سرعة إلى المجهول، وكنت على يقين أنّني وسط كابوس لا بدّ أن ينتهي، سأستيقظ منه لأجد نفسي في فراشي إلى جانبي زوجتي.
كأن نبيل قد قرأ ما يدور في رأسي، وبمحاولة منه لتخفيف وقع هذه الحقيقة المرّة قال:” سيحالفنا الحظّ ونصل في الوقت المناسب. ولا بدّ أن تجد زوجتك بإنتظارك . لقد تمّ توجيه نداءات عديدة لكلّ من هم مثلنا عالقون هنا لكي يتوجّهوا إلى مقرّات “الصومعة”. “
عادت إليَّ ذاكرة الأحداث الغريبة التي مررتُ بها اليوم. كانت البداية بذلك الخبر العاجل الذي وصلني صباحاً واختفى بعد ذلك ولم استطع أن أتحقّق من حقيقته بعد الخلل الغريب الذي أصاب وحدة الذكاء والتحكّم وتوقّف كلّ أنواع الاتصالات بشكل تام، مروراً بما شاهدته من تصرّفات مشبوهة لمجموعة الروبوتات العاملة ضمن مؤسستنا الإعلاميّة وصولاً إلى ما اكتشفتُ في جوف “مقبرة القطارات”.
بدأتُ أجمع قطع البازيل المتناثرة هنا وهناك. أصبحت الصورة في رأسي أوضح. لكن بقي لدي العديد من الأسئلة لم أجد لها أجوبة حتّى اللحظة. هل نحن نتعرض إلى هجوم نووي غريب المصدر هدفه تدمير الأرض؟ من هم هؤلاء “المختارون”؟ ومتى وكيف تمّ تأمين هذا العدد الهائل من المركبات؟ ما هي قصّة ” الوطن الجديد”؟.
أشعر وكأنّني وسط ألسنة نيران تحاصرني وتقترب وتحاول النيل مني. تسير السيّارة بنا بسرعة مجنونة في طريق وعرة وغريبة الملامح وكأنّنا في عالم آخر.كنتُ مسمّراَ بالمقعد تنتابني نوبات هلع. تتقطّع أنفاسي وكأنّها اللحظات الأخيرة قبل مواجهة الموت.
بدأت سرعة السيّارة تتراجع شيئاً فشيئاً. ووسط مخاوف ساورتني وشكوك بأنّنا سنعلق هنا في هذا المكان الخارج عن الزمن ، إلتفتَ نبيل نحوي قائلاً بحماس ٍ مفاجئ:” لقد وصلنا….”
