ادبياتعيون خاصة

أوكسي : نهاية كوكب الأرض – الحلقة الخامسة عشر – الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

الكاتبة كارينا أبو نعيم

لم أدرك كم من الوقت عشتُ فيه غائباَ عن الوعي. لكنّني كنتُ أشعر وأنا في غيبوبتي المؤقتة أنّني مشلول الحركة ويتراءى إلى سمعي وقع أقدام تقترب مني ومن ثمّ تبتعد.
فتحتُ عيني أخيراً وكان نبيل يقف إلى جانبي ترافقه زوجته “رانيا”.
قفزتُ لا شعورياً نحو “رانيا” أردّد سؤالاً واحداً كرّرته عدّة مرّات :” أين زوجتي؟ أين نايا؟”.
وقفت كالصنم قبالتي، وكان الإرهاق ظاهر على وجهها، وعيناها جمر نار من أثر بكاء شديد.
أمسكتني برفق وأجلستني مجدّداً على حافّة السرير قبل أن تطلق بوجهي أسهم كلماتها القاتلة.
تسمرّتُ في مكاني مركّزاً على وجهها ومنتظراً منها ما يطمئن قلبي.
تحرّكت شفتاها لكنّها تراجعت عن الكلام . فما كان من نبيل إلّا أن بادر هو في الحديث قائلاُ:”اسمعني جيداً يا جهاد وحاول أن تتماسك فنحن في مأزق كبير. الأرض على وشك أن تتعرض إلى كمّ هائل من الصواريخ النوويّة، ومن المفترض بعد ذلك أن تنتهي كلّ معالم الحياة في دقائق معدودة. علمتُ منذ مدّة بهذا المخطط الشيطانيّ بالصدفة. وحاولت على مدى أشهر طويلة أن أتحرّى عن الحقيقة. اكتشفت أن القرار قد اتخذ منذ سنوات وأنّ القوى العالميّة قد أعدّت العدّة لهذا اليوم المشؤوم. فبنت السفن الفضائيّة الضخمة في قواعد سرّيّة،وأرسلت بعثات خارجيّة لإستكشاف الفضاء. استطاعت من خلالها أن تجد الوطن البديل. المؤسف أنّها قرّرت عدم إنقاذ كافة البشر المتواجدين على وجه الأرض. وأعدّت برنامج سرّيّ تمّ من خلاله اختيار العدد المطلوب. لم نكن نحن من ضمن من اختيارهم.”
تابع حديثه:” أدرك تماماً مدى صعوبة تصديق ما أقوله لك. لكن صدقني نحن على قوب قوسين من هذه الكارثة. لم تخبر رئاسة القوى العالميّة هذا الموضوع إلا لحفنة قليلة من رؤوساء الدول المشاركة في الهيئة. في المقابل، استطاعت بعض المجموعات الناشطة المناهضة لسياسات هذه الهيئة من اكتشاف هذا المخطط. وبعد أن تمّ الاستحواز على ملفاته حاولت تلك المجموعات الضغط على الهيئة العالميّة لإجبرها على التخلي عن هذه الفكرة، والذهاب نحو حلول لمشاكل التلوث النوويّ الذي أصاب بلدان كثيرة من خلال الحروب اللعينة وأصبح العيش فيها مستحيلاً. لم تنجح في اقناعهم عن التراجع مما دفع بالبعض من أفراد تلك المجموعات، خاصّة وأنّهم اكتشفوا أن الهيئة العالميّة لن تنقذ الجميع، إلى بناء تلك الصوامع المضادة لكلّ أنواع التلوث النوويّ. فأنشاؤا عدداً كبيراً منها طول السنوات الأخيرة.ووفروا فيها كلّ سبل العيش لعقود طويلة، وطوروها وجهزوها لكي تستقبل أكبر عدد من الناجين من الإنفجار الكبير.”
صمت نبيل وتركني برفقة رانيا التي بدورها نطقت للمرّة الأولى منذ لقائنا قائلة: ” اعذرني يا جهاد. أنا مدركة تماماً بما تشعر به. فأنا أيضاً لم أكن أعلم بشيء. حتّى نايا لم تكتشف هذا المخطط، وتمّ اختيارها لقيادة إحدى تلك المركبات الضخمة، وتمّ التغرير بها كما الكثيرين من أمثالها حين أطلقت لهم “الهيئة العالميّة” الوعود البرّاقة وأنّهم سيكافؤون على أعمالهم البطولية وأن عائلاتهم ستكون آمنة بعد عودتهم من هذه المهمّات الخاصّة والسرّيّة جدّاً.”
كانت تتكلّم وأنا غائبُ عن السمع ورأسي يضغط علي من شدّة الألم. أمّا روحي فكانت تنزف لما اكتشفت من حقائق. أيعقل أن تكون نايا حبيبتي خائنة للعهد؟. قلبي يرفض هذا الكلام لكن عقلي يحاول أن يحلل كلّ الوقائع والبراهين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »