
الكاتبة كارينا أبو نعيم
كانت تتكلّم وأنا غائبُ عن السمع ورأسي يضغط علي من شدّة الألم. أمّا روحي فكانت تنزف لما اكتشفت من حقائق. كانت علاقتي بنايا موضع حسد من كلّ الأصدقاء والمعارف. فالحبّ الذي ربطنا يرتقي إلى مصاف العشق المجنون. تحمّلنا سوياً متاعب الحياة خاصّة لجهة نوعية مهنة نايا. لقد كانت وظيفتها محفوفة بالمخاطر وكان الموت شريك ثالث سكن معنا منذ لحظة ارتباطنا.
في كلّ مهمة كانت تطلب منها، كان الخوف رفيق لحظات الانتظار. تعاهدنا على أن يحترم كلّ منّا رغبة الثاني في تحقيق ذاته، ولم نترك لأنانية الحبّ أن تتحكّم في قراراتنا.
أيعقل أن تكون نايا حبيبتي خائنة للعهد؟.
قلبي يرفض هذا الكلام لكن عقلي يحاول أن يحلّل كلّ الوقائع والبراهين.
تحدي المجهول
استدرك جهاد أن الملجأ الذي دخلوا إليه، بدأ يستقبل وفود جديدة. خاصّة بعد أن قابل “رانيا” زوجة نبيل التي استطاعت الوصول مع عدد من الهاربين إلتقت بهم بعد تلقيهم النداءات التي أطلقتها إدارة الصوامع والتي شابتها الكثير من العراقيل مع إنقطاع تامّ لكلّ طرق التواصل.
نحن نتصارع مع الوقت. إنّ الحقيقة الثابتة الوحيدة التي وصل إليها الجميع أن الموت قريب وأنّ فرص النجاة قليلة. إنّ التحدّي اليوم مرهون بصمود تلك الملاجئ التي بنيت بطرق سرّيّة على طول السنوات الماضية في بلدان عديدة، وفي مناطق جبليّة نائية عن المدن ، ولحظة الإمتحان قد اقتربت لكي يكشف مدى فعاليّتها ومقاوماتها لتأثيرات الانفجارات النوويّة وإشعاعاتها.
جُهزت تلك الملاجئ بداية بمفاعيل نوويّة صغيرة جدّاً عرفت بإسم “بيضة الشمس”، يمكنها توليد الطاقة الذاتيّة على مدى عقود من الزمن. هذا إلى جانب استحداث مختبرات لإنتاج المياه وتكريرها مما يضمن العنصر الأوّل لبقاء الناس ولتلبية حاجاتهم الأساسيّة.
استطاعوا أن يخزّنوا العديد من مقوّمات الصمود والبقاء على قيد الحياة لفترة طويلة. فكان التوجّه نحو إنتاج وجبات طعام على شكل حبوب جاهزة تؤمن الغذاء المطلوب لفترات مستدامة ، وتوفّر للإنسان الفيتامينات الضروريّة، خاصّة وأنّه مدفون تحت طبقات عديدة في جوف الأرض، لا يمكنه التواصل مع أشعّة الشمس المسؤولة عن تعزيز نسب الفيتامنات في جسمه وتفعيل جهاز المناعة لديه، ولا التمتّع بالهواء النقي المفعم بالاوكسجين. لذلك خُصّصت وحدات إنتاجيّة للاوكسجين مستقلة في كلّ صومعة ومدعومة بأنظمة تهوية وتنقية وقياس نسب التلوّث النوويّ وغيره.
كان العمل على تأمين أكبر عدد من الصوامع أمر مضني ومكلف جدّاً. ولكنّ المجموعات التي ناهضت مخطّط الهيئة العالميّة ازدادت تصميماً على تنفيذ مشروعها.
تضمّ الأرض في وقتنا الحالي نحو 9 مليار بشريّ ، لم تختر منهم الهيئة إلا مليارين إثنين كان لهم الحظّ في الانتقال إلى كوكب “تاكانا”. والطامة الكبرى أن الفئات المختارة من نساء ورجال وأطفال لا يتجاوز عمر أكبرهم ثلاثة عقود.
لا محال، ستدخل البشرية أبواب التغيير الشامل. فمن هاجر إلى “الوطن الجديد”، رحل وهو مثقل بالذكريات والخوف من المجهول. أمّا الباقون على الأرض والعالقون وسط الجحيم النووي، فلا حول ولا قوّة لهم إلّا الصمود والمحاربة ومحاولة البقاء على قيد الحياة بشتّى الوسائل.
