
الكاتبة كارينا أبو نعيم
كان العمل على تأمين أكبر عدد من الصوامع أمر مضني ومكلف جدّاً. ولكنّ المجموعات التي ناهضت مخطّط الهيئة العالميّة ازدادت تصميماً على تنفيذ مشروعها.
تضمّ الأرض في وقتنا الحالي نحو 9 مليار بشريّ ، لم تختر منهم الهيئة إلا مليارين إثنين كان لهم الحظّ في الانتقال إلى كوكب “تاكانا”. والطامة الكبرى أن الفئات المختارة من نساء ورجال وأطفال لا يتجاوز عمر أكبرهم ثلاثة عقود.
لا محال، ستدخل البشرية أبواب التغيير الشامل. فمن هاجر إلى “الوطن الجديد”، رحل وهو مثقل بالذكريات والخوف من المجهول. أمّا الباقون على الأرض والعالقون وسط الجحيم النووي، فلا حول ولا قوّة لهم إلّا الصمود والمحاربة ومحاولة البقاء على قيد الحياة بشتّى الوسائل.
العد العكسي
وقفتُ بين الجمع، وسط هذه القاعة المتناهية الكبر التي ضمّت حتّى اللحظة ما يقارب المئة ألف شخص، أستمع معهم إلى الشرح المفصّل المقدّم من قبل المسؤول عن صومعة “عرين الأسود”. كان “نبيل” يشرح بشكل سريع عن مميّزات “البيت الجديد” كما أطلق عليه، وعن القوانين التي سترافقنا خلال رحلتنا الغامضة ريثما تتكشّف الأمور ويعاد تقييم الوضع من جديد بعد حدوث كارثة الانفجارات النوويّة.
كانت الساعة قد قاربت على الحادية عشرة ليلاً. أنبأني حدسي أنّ الوقت قد نفذ، وأنّنا نقترب كثيراً من لحظة الانفجار الكبير. تتوالى الوفود إلى “عرين الأسود”. بينما أتابع على الشاشات الكبرى في قاعة الإستقبال الرئيسة ما يحدث في المراكز الأخرى المنتشرة عبر العالم. ومع كلّ دفعة جديدة من القادمين يسود الهرج والمرج، وتعلوا الصرخات ويعمّ الضجيج والفوضى لحين يعاد الإمساك بزمام الأمور، ويوزّع الأفراد ضمن مجموعات على مساكنهم الجديدة .
بدأ العدّ العسكيّ…. ارتفع صوت الإنذارات وسطعت الأضواء معلنة ضرورة التحرّك. بدأنا ندلف داخل السرداب الفاصل ما بين القاعة الكبرى وبين مركز “الملاذ الآمن ” القابع في جوف الأرض . نسير في صفّ واحد، كأننا أسرى جيش مستسلم و منهزم ومنهك من كثرة المعارك، ومنهار من هول بشاعة الحروب. نسير مكبلين بمخاوفنا إلى زنزاناتنا السرّيّة والكالحة سواداً والرطبة ذات الروائح الكريهة، والقابعة تحت طبقات سفليّة بعيدة جداًّ عن نور الصباح وهواء الحرّيّة ووهج الدفء والأمان.
صمتٌ رهيب يسود رحلتنا المشحونة بالخوف والهلع داخل هذا السرداب. حتّى الأطفال قد سُرقت منهم أصواتهم. لا شيء مسموع سوى أصوات خطواتنا الهاربة. المسافة التي تفصل ما بين النقطة التي دخلنا منها إلى “عرين الأسود” ومركز “الملاذ الآمن” كيلومترات معدودة سرنا بها لنصل بعد عشر دقائق.
في الواقع، لم أكن في حالة تسمح لي أن أحسب بدّقة المسافة الفاصلة بين النقطتين. في داخلي كيان مدمم ينزف وجعاً. كنتُ أسير مع المجموعة غير آبه إلى أين سأصل. دمّرتني “نايا”. في لحظة واحدة، إستطاعت أن تحطّم هذا الحصن المنيع الذي كنتُ أخاله محمي بالحبّ والوفاء.
لم أكن أفكّر بحجم الكارثة الواقعة فوق رؤوسنا. فما عاد للأمر أهمّيّة. أنا ميتٌ… ميتٌ منذ الآن.
