ادبيات

كنت أسكن في شارع فرح أنطون (2) الحلقة الثانية- كارينا ابو نعيم

كارينا ابو نعيم

ماذا تفعل بنا الذاكرة؟ تجعلنا نستعيد ماضينا غصباً عنا ، وإن كنا لا نريد تجبرنا.
أستعد لمقابلة ذكرياتي بعد قليل، بعد إنقضاء عشرين عاماً في هروب وتشتت فكري وعاطفي وصراع ما بين هنا وهناك. ما زالت تلك المباني المتراخية قبالة الكورنيش البحري تشرف على مياه المتوسط، وتحتضن جزر الأحلام والمغامرات والشقاوة.
في غربتي انمحت ذاكرتي بالكامل، ولم يبقَ فيها سوى شرفة منزلنا التي تشرق منها الشمس على جبل تربل وتغرب في متوسطها.
لم يبقَ شيء على حاله….ذهب العمر….رحل الأحبة والأهل، واختفت ضحكات الأطفال، وتوقفت ضربات أقدامنا الصغيرة لتتبخر مع الهواء….
كل شيء تغير إلا تلك المقاهي المتناثرة على طول الطريق خلف المباني ، مازالت في مكانها، تزينها مظلات من كل الأشكال والألوان في موزاييك ناشز ومنفر وغير متناسق، يسكن طاولاتها أشكال وألوان من البشر يدخنون النراجيل ويتركون أطفالهم يسرحون ويمرحون.
لم أذكر إن كان لي في الغربة وقت للجلوس في مقهى أكثر من نصف ساعة لأحتسي قهوتي أو لأنهي صفقة عمل. لم يتغير الناس هنا . لم يغيروا تلك العادات . تركتهم عشرين عاماً وعدت لأجدهم حيث هم.
قرأتُ مرة هذه العبارة وما زلت أذكرها كأنها محفورة في وجداني. لم أعد أذكر من صاحبها لكنه يقول فيها أن الزمن لا يقاس بالدقائق والساعات والأعوام ، إنما من خلال تطور الإنسان وتقدمه الإجتماعي والفكري.
اتصلتُ بزوجتي أعلمها أني وصلت. ثم دلفت الى الحمام لأستسلم لدفء تلك المياه، وأغلقت عينييّ لعلّني أنخطف فأعود هذا المراهق الذي ترك روحه داخل جدران بيت أهله.
كان سعيد، قريب والدي، قد أتمّ الترتيبات اللازمة في المنزل، وقد حضّر كل المستلزمات. ستأتي عائلتي بعد عدة أسابيع لتزور منبت جذورها وتتعرّف على ما تبقى من ذكرى أجدادها في موطنهم الأصلي.
تأمّلتُ سقف المنزل فيه عدد من الشقوق تنذرك بتقدم العمر، حتى الجدران لها عمر ولها تاريخ ولها هوية.
استحضرتني أصوات إخوتي وضحكات والدي …كأنهم هنا لم يرحلوا.
فتحت ُ درج مكتبي القديم، صور، أقلام قديمة، أوراق صفراء هربت منها الكلمات، وفوضى عارمة تعلن عن هوية صاحب هذا الدرج العتيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »