

الكاتبة كارينا أبو نعيم
“بدأت قصّتي معها منذ سنوات. ساقها القدر إليّ واعتقدتُ أن الحياة قد تبسّمت لي أخيراً.”
تنهّد بحسرة وتقطّعتْ الكلمات الخارجة من أعماق روحه الجريحة وصمت فجأة وتأهّب واقفاً.
اعتقدتُ أنه اكتفى بهذا القدر من الكلام، وهممتُ بإغلاق دفتر ملاحظاتي حين شعرت به يعاود الجلوس في المقعد، ويُلقي برأسه الى الوراء، ويطلق صرخة مكتومة، أحسستُ أنّها اخترقت سكون الغرفة وغاص في نوبة بكاء.
تجمّدتُ في مكاني وأعدت ُ دفتري بخجل إلى حضني. تخيّلتُ نفسي أدون اعترافات إنسان مهزوم، رغم أنّني طبيبه النفسيّ الذي يتابع معه الجلسات، لكنّني في هذه اللحظة شعرتُ أنّني ضعيف جدّاً أمام آلامه.
تغلّب على دموعه وبإصرار واضح تابع كلامه قائلاً:” لم أكن أعلم أن من أحبّبتها نرجسيّة الشخصيّة والطباع. لم أكن أملك أدنى المعلومات حول هذا النوع من الشخصيّات. ولم أتصوّر أنّ المرأة التي وهبتها روحي وكلّ ما أملك من طاقة وحبّ وعطاء، سيأتي يوماً وتنحرني من الوريد إلى الوريد.”
أكمل: ” وصلت بها الحالة إن سألتها عن اسمها ستتوقف للحظات كي تتأكّد من جوابها. مع العلم أنّ الشيء الوحيد الثابت والحقيقي فيها هو اسمها المدوّن على بطاقة هويّتها. أمّا في ما يخص العالم الوهميّ الذي تعيش وتتقمّص فيه الأدوار وتبدّل الأوجه والأقنعة، فهو عالم حاكته بأكمله من خيوط العنكبوت الذي ينصب شباكه غير المرئيّة لفريسته كي يصطادها على غفلة منها.”
أضاف بعد أن توقّف للحظات:” أتصدّق يا دكتور، تعيش حبيبتي في اليوم الواحد عشرات الشخصيّات. ترسم لكلّ واحدة منها مسار نهارها، وتعدّ السيناريوهات وتحفظها وتتفنّن في كلّ دور تلعبه وتتفوّق بإمتياز. حبيبتي عاشقة للكذب وبارعة في النفاق . ما دخلت دوراً إلّا وأبدعت به. ”
تأمّل فضاء الغرفة وأعاد نظره إلى السقف. أحسستُ أنّه توقّف عن التنفس. وبعد ثوانٍ، مدّ يده إلى جيب سترته وأخرج مجموعة قصّاصات ورقية صفراء صغيرة، وقبل أن يضعها أمامي على الطاولة نظر إليَّ ثم قال:”حان الوقت كي أخرج من هذا الجحيم.”
ومشى دون أن يُضيف كلمة أخرى.
أعدتُ قراءة ملاحظاتي التي سجلّتها على مدى أشهر خلال جلساتي معه. لا أنكر أنّني متأثرٌ جدّاً بقصّته. أحاول أن أفصل ما بين الإنسان والطبيب المعالج. إن المهنيّة تتطلّب الحياد. لكنّني منذ أن قابلته في المرّة الأولى وأنا في حالة تعاطف خفيّ معه أخاف أن أظهره فيورطني.
اختفى بعد جلستنا الأخيرة ولم يعد يزورني في العيادة، ولم يردّ على اتصالاتي المتكرّرة له. أحاول أن أسبر أغوار هذا الإنسان من خلال القصّاصات الورقيّة الصفراء التي رمى بها في ملعبي خلال زيارته الأخيرة وتركني في حيرة من أمري.
دوّن على كلّ قصاصة صغيرة منها مجموعة كلمات.إنّها تشبه قطع البازيل الصغيرة. نهضتُ بسرعة وأزحت سجادة غرفة العيادة ليكون لي مساحة كافية لرصفها الواحدة إلى جانب الأخرى. اعتمدتُ الترتيب نفسه وهي مرقمة من رقم واحد الى 365 …..كعدد أيّام السنة…
