

الكاتبة كارينا أبو نعيم
في المساء، بينما كنت منهمكاً في مراجعة تقارير المرضى الذين قابلتهم اليوم، رنّ جرس الباب. كنتُ قد أصبحتُ لوحدي بعد أن ذهبت “سهير”، مساعدتي، وعلى ما يبدو أنّها نسيت إغلاق الباب الخارجيّ للعيادة.
نظرتُ إلى ساعتي، كانت عقاربها تشير إلى التاسعة وأربع دقائق. تساءلتُ في نفسي من سيكون هذا الزائر الليليّ، مع العلم أنّ مواعيد العيادة تنتهي عند الخامسة عصراُ. حاولت أن أتذكّر إن كنتُ قد أعطيتُ لأحد مرضاي موعداً في هذا التوقيت. إنّني متأكّد أنّ المواعيد المدرجة اليوم لم تتضمن أيّ موعد ليلي طارئ. لم أكن أحبّذ إجراء جلسات متأخرة. نهجتُ منذ أن بدأتُ العمل في عيادتي الخاصّة منذ خمس سنوات، على اتباع نظام يومي دقيق. فالجميع يعرف شعاري في الحياة: ” العمل ينتهي في وقته المحدّد لأنطلق من بعدها إلى عالمي الخاصّ أنعش فيه الروح”.
لا أساوم على روتيني اليوميّ. الحياة ليست عملاً فقط. كنتُ أضطر بعد الأحيان، كما أفعل هذه الليلة، أنّ أنهي التقارير المهمّة. عدا ذلك، كنت أنطلق بعد العيادة مباشرة إلى النادي لأفرغ طاقتي السلبيّة في صالة الرياضة ومن بعدها أغوص لساعة في مياه المسبح.
إنّها أمتع اللحظات حين أغوص إلى القاع وأقبع هناك قدر ما يساعدني تنفسي وأكون في حضرة الصمت. في إحدى المرّات، بينما كنتُ غارقاً في عالم الصمت في قاع المياه، سمعتُ صوتاً يهمس لي . كان يشبه رنين صوت أمي تنادي بإسمي بحنان كبير كما كانت تفعل وأنا صغير. منذ تلك الحادثة، وأنا أحاول يومياً أن أستعيد، ولو لثوانٍ، صوت أمّي الذي فقدته للأبد وأنا ابن تسع سنوات.
توجّهتُ نحو الباب وبحذر كبير أدرتُ المقبض. كنتُ أحتفظ دائماً بمسدس حربيّ صغير مرخص في جيب سروالي الخلفيّ، وبالعصا الكهربائيّة الجاهزة دائماً للاستخدام جانب المدخل استعملها في حالات الطوارىء. إنّ المنطقة التي تقع فيها العيادة تعتبر نوعا ما منعزلة وبعيدة عن وسط المدينة. وفي جميع الأحوال الحذر واجب خاصّة في مهنتي.
أمسكتُ بالعصا وفتحتُ الباب بسرعة في محاولة مني لصد أيّ هجوم مفاجئ.
وقفت أمامي دون أن تنطق بكلمة. تفاجأت من ردّة فعلي . فتسمّرت في أرضها وهي شاخصة بي . أنزلتُ العصا بسرعة وحاولت أن أتكلّم لكنّني تلعثمت. كيف وضعت نفسي في هذا الموقف المحرج. تمالكتُ أعصابي واعتذرت منها وسألتها :” كيف أخدمك سيّدتي؟”.
لن أخفي انجذابي لسحر جمالها الطاغي في كلّ ملامحها .وقد أضاف هذا المعطف الأسود المتآمر مع جمال جسدها المتناسق فيه ، لمسات ساحرة تتنافس مع جمال عينيها العسلتين اللتين اخترقتا قلبي بسهم من نيران.
بين لحظات الانخطاف في عالم الجمال والسحر والعودة إلى الواقع، تحرّكت شفتاها أخيراً وقالت:” من المؤكّد أنّك الدكتور مراد شكيب”.
لم تنتظر ردّي .دخلت العيادة بخطوات واثقة، ووقفت وسط غرفة الانتظار.وبعد أن جالت بنظرها على أرجائها، تلفتت نحوي مبتسمة وقالت :”إذن، هنا كان ينتظرك في كلّ جلسة!”.
