ادبياتعيون خاصة

جدران بلا دفء: الطلاق العاطفي في صمت البيوت اللبنانية.- أمل هواري

 

قلمي يكتب

داخل الكثير من البيوت اللبنانية، تسكن حالة من الصمت لا تُكسرها الكلمات، ولا تُداويها المجاملات اليومية.
هناك، خلف جدران قد تبدو متماسكة من الخارج، ورديّة اللون، ضاحكة المظهر، يعيش زوجان في حالة من الطلاق العاطفي؛ حيث تستمر الحياة الزوجية شكلاً، فيما ينزوي كلٌّ منهما في عالمه الخاص، عالمٍ خالٍ من الحب، من الحميمية، من المشاركة، أو حتى من الحنين.
الطلاق العاطفي ليس انفصالاً قانونياً، وليس طلاقاً بالثلاث، بل هو طلقة وجعٍ تتكرر كل يوم، تطال كلا الطرفين. هو انقطاع في الحب، انقطاع في النبض المشترك، تآكل تدريجي للمودة، وتحول العلاقة إلى تعايش خافت تحت سقفٍ واحد، سقفٍ من الإسمنت والباطون.
هذه الظاهرة، التي لطالما وُجدت في الخفاء وكانت من التابوهات المسكوت عنها، باتت اليوم أكثر وضوحاً وانتشاراً، مدفوعة بجملة من العوامل المتشابكة.
فإلى جانب الأزمات الاقتصادية الخانقة، تقف أسباب أخرى لا تقل تأثيراً، كضعف التواصل بين الشريكين، غياب الحوار الصادق، غلبة الواجب على العاطفة، والانشغال المفرط بوسائل التواصل الاجتماعي، التي صنعت عوالم بديلة تسرق الانتباه والحميمية من قلب العلاقات.
فكلمة (بحبك) أصبحت تُعدّ ضعفاً وكلمة ( بدي ياك) تُفسَّر على أنها انتقاصٌ للايغو.

تتفاقم هذه العوامل في مجتمع يقيّد فيه التعبير العاطفي، وتُكرَّس فيه الأدوار التقليدية داخل الأسرة، حيث يُنتظر من المرأة أن تصبر، ومن الرجل أن يصمت، فينمو الصدع بين الطرفين من دون صوت.

وفي لبنان تحديداً، لا يمكن اختزال الطلاق العاطفي بالأزمات الاقتصادية وحدها.
صحيح أن الضغوط المعيشية، والقلق الأمني والسياسي، شكّلت عوامل ضغط كبيرة على العلاقات الزوجية، إلا أن هناك أيضاً حالات عديدة لا ترتبط مباشرة بهذه الظروف، بل تنبع من داخل العلاقة نفسها: من طرفٍ أنهكته اللامبالاة، أو من شريكٍ غيّب الحضور العاطفي، أو من غياب الحوار والمشاركة والاحترام المتبادل.
هنا، لا الجوع ولا الفقر هما السبب، بل التآكل البطيء للرغبة في البقاء معاً، في زمنٍ أصبحت فيه العاطفة ترفاً، والاهتمام الحقيقي عملة نادرة.

بحسب كل حالة، قد تتضرر النساء أو الرجال بشكل متفاوت، إذ يتحمّل أحد الطرفين عبء الحفاظ على تماسك الصورة العائلية، ويمضي أيامه في محاولة إسكات الشعور بالوحدة، بينما يبقى الجسد حاضراً في علاقة فارغة.
أما الأطفال، فيشبّون في بيوت تُغيب الحب وتُضخّم الواجب، فينقلون هذا النمط من العلاقات إلى مستقبلهم من دون وعي.

ومع ذلك، لا تزال بعض الأصوات تدعو إلى المواجهة بدل الهروب، وإلى إعادة بناء العلاقة على أسس جديدة، تبدأ بالاعتراف بأن الحب ليس تفصيلاً ثانوياً، بل حاجة إنسانية أساسية، وأن غيابه قد يكون أشد قسوة من الطلاق الرسمي.

في مجتمعٍ يئنّ تحت وطأة الضغوط، يصبح ترميم العاطفة فعلاً مقاوماً بحد ذاته، ويغدو الحفاظ على دفء العلاقة الزوجية تحدياً يتطلب شجاعة، وصدقاً، وقراراً بإعادة النظر في شكل الحياة المشتركة ومعناها الحقيقي.

ختاماً، وفي ظل هذا التآكل الصامت للمشاعر داخل البيوت، وكأن الجدران تسكنها الأجساد، لا الأرواح. هل نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف مفاهيم الأمان العاطفي والاحتواء داخل الأسرة، لا كواجب تقليدي، بل كحق إنساني لكل فرد فيها؟
يتبع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »