كنت أسكن في شارع فرح أنطون
الحلقة الرابعة والأخيرة – كارينا ابو نعيم


الليلة هي ليلتي الأخيرة التي سيُسمح لي فيها أن أبقى وحدي مع الذكريات. سأستغلها الى أبعد حدود، وأسرح وأمرح في تفاصيلها التي اشتاقت لها كل حواسي. عدتُ إلى غرفتي أتفحصها بدقة بالغة. ما زالت كما تركتها منذ أكثر من عشرين عام. هي لم تتبدل لكن أنا تغييرت. لقد كبرتً ولم تعد تتسع مساحة هذا الغرفة أحلامي، هكذا توهمت، أعدت فحص كل الأغراض التي شكلت جزءاً من تلك الغرفة. كنت كآلة الساكنير ( المسح الضوئي) أعيد تكوين أجزاء الصورة في مخيلتي من جديد. هل ستكون هذه زيارتي الأخيرة؟ لن أتوقف كثيراً عند هذا التساؤل. كنتُ مندمجاً في عبق الروائح المنبعثة من كل زاوية، إنها روائح الماضي السعيد والحزين على حد سواء، ما زالت محبوسةً في ذرات الهواء هنا، داخل هذا الفراغ، تنتظر عودتي كي تتكلم، كي تتألم، وكي تخبرني أنها مازالت تحتفظ بأجزاء من الوجوه التي كانت تعيش معي داخل جدران منزلنا.
غداً، ستزور عائلتي وطني ومنزل طفولتي للمرة الأولى. ستأتي زوجتي وأولادي الثلاثة: سام، نوا و مُريد، وسيركض ابني البكر “سام” مباشرةً عند دخوله باب المنزل، ليذكرني بوعدي له. سمعني مرةً أخبر والدته عن لؤلؤة المتوسط، استوقفه الأمر كثيراً. لم أعتقد يوماً أن العشق ينتقل بالجينات الموروثة من الأهل. بقي منصتٌ إليّ وأنا أخبر زوجتي عن مدينتي البحرية التي غرقتُ في عشق بحرها وجزرها منذ نعومة أظافري. كنت أقص عليها حكايات ذلك الطفل الذي كان يهرب كل يوم عند الظهر إلى الشاطئ الملاصق لبيته، وينتظر “المعلم “خضرا” لينسل داخل مركبه ويبحر معه ومع رواد الجزر في مغامرات شيقة وبعضها كان خطيراً. كان المعلم “خضرا” ريس المينا في تلك الحقبة من الزمن. وكانت كلمته مسموعةً عند الصغير قبل الكبير. أحبه الصيادون، وربما كانوا يخشون منه ،لا أعلم، إلا أنهم كانوا يلجاؤون إلى مشورته ويحتمون تحت عباءته. اعتقدت لسنوات أن الريّس “خضرا” بطلٌ أسطوريٌ من أبطال القصص الخيالية التي كنت أقرأها خلسةً في نهاية الأسبوع والأعطال والأعياد حينا كنا نذهب لزيارة جدتي، أو أنه إله من آلهة اليونان أو الاغريق الهارب والمسافر عبر الزمن. كان كل شيء فيه يدل على أنه بطل خارق. شعره الأبيض الطويل، ولحيته الكثيفة التي غزاها الشيب، وعيناه الزرقاوتان اللتان تلمعان كالبرق، وطوله الفارغ، وجسمه الضخم وعضلات يديه، وتلك الاوشام التي كانت تحتل مساحةً كبيرةً من جسده. كان يشبه “زيوس” إله السماء عند اليونان وقد فتنت به النساء. وكن يقصدن مرفأ الصيادين ليذهبن معه في مركبه الخشبي الأبيض الضخم ويأخذن صوراً معه، وفي الواقع لم تثيره ولا مرة تلك الحركات و”التحرشات”، إلا أنه كان يبتسم لهن بهدوء، ونادراً ما كان يجيب على أي من الأسئلة. إعتقدت لسنوات أنه أبكم او أصم لكنني إكتشفت بعد ذلك أن لهذا البطل حكايةٌ طويلةٌ شيقةٌ ومؤثرةٌ جداً.
أصوات الريح تصفر بقوةٍ معلنةً وصول العاصفة. كم أشتقت لسماع ألحانها، فيها “نوتات” مميزة وفريدة لا تعزفها الريح إلا في سماء مينائي. أقف في المطبخ أعد لنفسي فنجاناً من القهوة بعد أن أتعبتني حالة الذكريات. يداهمني في صمت هذا الفراغ صوت أبي أسمعه يتحدث في الهاتف مع أحد أصدقائه. وتركض ترددات ضحكاته إلى مسمعي كأنه حاضر معي، ألتفتُ بسرعة نحو الباب وأهرول لعلني ألتقيه قبل أن يختفي، لكن لم يطالعني سوى ظلام غرفة الطعام.
يخطىء من يعتقد أنه يستطيع الانعتاق من سجن الذكريات حتى لو سافر إلى الفضاء وسكن الكواكب والنجوم. يبقى في مكان ما داخل خزانة الذاكرة واللاوعي، صندوقٌ أسود لا يطفو على سطح الواقع إلا بعد أن يحصل لنا صدمة كبيرة تهزنا في العمق.
أمسكت فنجان القهوة وتوجهت إلى غرفة الجلوس، حيث جلست على الأريكة الكبيرة قبالة المكتبة الضخمة التي تضم مئات الكتب والمراجع، تربعت كما كنت أفعل كل يوم عند المساء. لمسني طيف أمي .إنه حاضر في كل ركن من أركان البيت. هنا، على هذه الطاولة المستديرة ، ما زالت آثار أصابعها تطوف فوقها توزع الصحون وترتب أطباق الطيبات من مأكولات ومشروبات ساخنة أعدتها لأهل بيتها وضيوفهم بكل حبٍ.
أذوب بين كل رشفة قهوة وأخرى، وكأنني أتذوق قهوة أمي التي كانت تعدها لي خصيصاً عند الصباح. أتنشق رائحتها كمدمن اشتعلت نيران الحرمان في دمائه فسعى إليها كالمجنون لينتشي.
بينما كنت غارقاّ في لج بحر الذكريات لمحت ذلك الدفتر الأزرق بين رفوف الكتب منفرداً لوحده. أمسكته وفتحت أوراقه المتآكلة، إنه خط أبي الجميل، كتب في الصفحة الأولى منه: ” نحن امتدادٌ وتراكم وعند حدوث خللٍ ما في اي حلقة من سلسلة الامتداد هذا ستنقطع نصفين وتبتعد وتضعف…”
غرقت بين صفحات دفتر الخواطر التي كان يسجلها والدي ،على ما يبدو، في سنواته الأخيرة خاصة بعد أن سافرنا جميعاً ولم يبق في المنزل سوى أمي وهو.
في صفحة أخرى دوّن والدي هذه الكلمات:” لا تقبل أن تكون ذكرى عابرة في الحياة…اترك بصمتك المميزة قبل أن تمشي…”
وددتُ لو استطعت أن أعرّف أولادي على من سكنوا ذاكرتي ومازالوا أحياءً فيها ،على الرغم من رحيلهم عن هذه الارض. كان تعارف الأحفاد بجديهما سريعٌ وباردٌ ومحكومٌ بالظروف. كنت أشاهد الحسرة في عيون أهلي في كل زيارة لنا في أميركا حيث استقريت بعد زواجي من فتاة أجنبية غريبة عنهما. كنت أقرأ في نظرة والدتي أنها غير سعيدةٍ وغير راضيةٍ بهذا الزواج لكنها في نهاية المطاف رضخت للأمر الواقع. حين حملت بين يديها حفيدها البكر “سام” لم تتوقف عن البكاء. فسألتها لماذا كل هذا البكاء يا أمي أجابتني:” أتعتقد أن المشاعر كاللغات تحتاج إلى أن نتعلمها؟.”
انتظرت اليوم الذي آتي فيه برفقة عائلتي لأزور أرض الوطن وأمشي في شوارع مدينتي وأعيد لحظات الطفولة والأحلام. أعددت لائحةً تتضمن كل الأماكن التي سنزورها سوياُ. سأكوّن مع أبنائي مجموعةً من الذكريات التي ستبقى في الصندوق الأسود الخاص بكل واحد منا . وبعد أن أنتقل إلى المكان الآخر، سيبقى في حوذتهم ” كمشة” باقية في صندوق كل منهم يعيد تشكيلها حسب ما تراها ذاكرته مناسباً.
تناقصت أعداد الوجوه التي أعرفها في مدينتي وكادت تصل إلى الصفر. تغيرت مدينتي وتبدل الحي وسكنت المنازل والبيوت وجوهٌ جديدةٌ متنوعةٌ ومختلفةٌ لكن بقي شيء واحد محافظ على وجوده كما كان، بقي الشارع الذي ولدت فيه وعشت فيه، بقي شارع “فرح أنطون”.
