ليلة الكسوف – الحلقة الأولى: لحظة فلكية تاريخية- كارينا أبو نعيم

الكاتبة كارينا أبو نعيم
بينما كنت منهمكاً في الكتابة، هاتفني كمال ليُعلمني أنه قد تدبر لنا، نحن الإثنين، بطاقتين تخولنا أن نشاهد كسوف الشمس الجزئي الذي سيحصل اليوم عبر تلسكوبات إحدى الجامعات اللبنانية الخاصة، التي كانت تستعد لهذه المناسبة منذ أشهر عبر توفير كل التجهيزات والمعدات وتنظيم التحضيرات اللوجستية والفنية لطلابها في معهد العلوم الفضائية الذي إستحدثته مؤخراً ضمن التخصصات الجديدة. انتظرتُ طويلاً مشاركتي في مشاهدة هذه الظاهرة الفلكية بشكل مباشر، ولم أفلح في السفر إلى البلدان والمناطق التي حصلت فيها هذه الظواهر الطبيعية الرائعة سابقاً، لانشغالي الدائم في إدارة مركز الدراسات العربية – الدولية، وعدم قدرتي على التملص من المسؤوليات الملقاة على عاتقي. فنحن نقوم دورياً باستقبال المؤتمرات العربية والدولية المتخصصة في رسم الاستراتيجيات المستقبلية، مما يجعلني عالقاً في خلية نحل لا تهدأ. سيشهد لبنان رابع كسوف في القرن الحادي والعشرين. رافق الإعلان عن هذا الحدث حملة إعلامية كبيرة، مما دفع بوزارة التربية إلى إعطاء يوم الـ 29 من آذار، عطلة رسمية كي تسنح الفرصة للطلاب أن يشاهدوا هذا الحدث من خلال شاشات التلفزة وهم في بيوتهم. وصرفت الشركات موظفيها لتتيح لهم أيضاً مشاهدة هذه الظاهرة الطبيعية للمرة الاولى. تركتُ مكتبي وتوجهت الى وسط بيروت لأشارك مع آلاف من الوافدين من داخل وخارج لبنان، مواطنين، صحافيين، علماء فلك أجانب، وغيرهم تواجدوا منذ الصباح الباكر في عدد من الأماكن التي نصبت فيها التلسكوبات استعداداً لهذه المناسبة. كانت الشوارع شبه خالية من السيارات والناس، اعتدنا في مثل هذا الوقت من بعد الظهر أن تعاني الشوارع من ازدحام خانق، لكن اليوم نحن نعيش ظاهرة كسوفٍ شمسي ، مما دفع بالناس الى ملازمة بيوتهم ومراقبة هذا الحدث عبر شاشات التلفزة التي خصصت النهار بأكمله لتسجيل هذا الحدث التاريخي. ركنتُ السيارة وكنت قد هاتفت كمال لنلتقي ونتوجه سوياً الى داخل الحرم الجامعي. اقتربنا من المكان فوجدنا أحد الشبان المسؤول عن توجيه الضيوف الى مكان الإلتقاء، الذي كان عبارة عن مبنى شاهق علينا الصعود الى سطحه، وهو يقع جانب الحرم الرئيسي للجامعة وقد شُيد حديثاً. وصلنا الى سطح المبنى، ووجدنا مجموعات من الشباب والشابات متحلقين حول التلسكوب الضخم يراقبون فريق العمل المتخصص الذي يقوم بضبط الصور الآتية من التلسكوب عبر شاشات الكمبيوترات وإلى جانبهم صحافيين ومراقبين أجانب يتابعون بدقة تلك الاحداث. هذا التلسكوب الإلكتروني الضخم من أحدث ما أنتج في هذا المجال، وهو مرتبط مباشرة بأحد الأقمار الإصطناعية، ومحاط بشاشات ضخمة متصلة بالكمبيوتر المركزي الكبير الذي سيقوم بتسجيل كل مراحل الكسوف وتقديم البيانات والتحليلات. لم تمنعني المفاجأة من أن أصطحب معي رفيقتي الدائمة. حين وصلنا الى المكان المحجوز بإسم كمال، سحبت كاميرتي من بيتها وثبّتها على القاعدة الخاصة بها. بينما بدأ كمال بضبط عدسة التلسكوب الخاص به، بعد أن شبّك كامرتي الرقمية معه على شاشة الكمبيوتر المحمول خاصته. وابتدأ العرض…صيحات وابتهالات وتصفيق في اللحظة التي بدأ فيها القمر بحجب الشمس. بدأنا بالتقاط الصور وكان كمال يسجل على حاسوبه كل ما يصله من صور. كنا مندهشان بالمناظر التي كنا نقوم بتصويرها وتسجيلها حين علت الصيحات، لم نعر الموضوع أي اهتمام، فالكل منخطف بسر اللحظة. تعالت مجدداً الصيحات وتحولت الى ضجيج رهيب، ركضنا نحو الحشود المشتبكة مع بعضها البعض حتى ندرك ماذا يحصل. للحظات، حسبت أن زوبعة من الرياح لفتني واقتلعتني من مكاني وحملتني ورمت بي إلى الفراغ. استيقظت بعدها لأجد نفسي ممدداً على شيء يشبه السرير الحديدي في غرفة غريبة الشكل والتقسيمات. لم أكن أعرف كم من الوقت مرّ عليّ وانا فاقد للوعي، راودني شعورٌ غريب ٌومخيفٌ في آنٍ معاً، شعرت انني فقدت الذاكرة والإحساس بالمكان والزمان، وفجأة ارتخت الصور أمامي، وأغلقت عينيّ من قوة وهج الأنوار، وتلاشت أعصابي، وفقدت وعي من جديد.
