دور النائب في لبنان بين الواقع والمرتجى بين النص الدستوري والممارسة السياسية… مسافة من خيبة الأمل إلى الأمل بالإصلاح _بقلم الاستاذ احمد ضاهر

في الأنظمة الديموقراطية، يُفترض أن يكون النائب صوت الناس وضمير الوطن، يعبّر عن هموم المواطنين، ويشرّع القوانين التي تحمي حقوقهم، ويراقب أداء الحكومة ضماناً للمساءلة والمحاسبة. غير أنّ المشهد اللبناني، كما في كثير من الملفات، يُظهر فجوة واسعة بين النصوص الدستورية والممارسة السياسية، بين الدور المرسوم للنائب والدور الذي يُمارس فعلياً تحت قبة البرلمان.
من الممثل الوطني إلى المندوب الحزبي والطائفي
منذ اتفاق الطائف، حُدّد للنائب في لبنان دور مزدوج: التشريع والرقابة. إلا أنّ الواقع السياسي الطائفي حوّل هذا الدور إلى أداة بيد الزعامات والأحزاب، بحيث بات النائب أقرب إلى مندوب عن تياره أو طائفته، منه إلى ممثل للأمّة جمعاء.
يتجلّى ذلك في طريقة التعاطي مع القوانين، وفي الحضور الانتقائي للجلسات، حيث يغيب كثير من النواب عن العمل البرلماني إلا عندما تتقاطع الجلسات مع مصالح فريقهم السياسي أو التحالفات التي ينتمون إليها.
الرقابة الغائبة والمحاسبة الشكلية
الرقابة البرلمانية، التي يُفترض أن تكون ركيزة أساسية في النظام الديموقراطي، تراجعت في لبنان إلى حدودها الدنيا. فمعظم الحكومات تُشكَّل على قاعدة “التوافق” بين الكتل النيابية الكبرى، ما يُفرغ عملية المحاسبة من مضمونها. فكيف يمكن لنائب أن يُحاسب حكومة هو شريك في تشكيلها؟
النتيجة كانت واضحة: غياب المساءلة، واستمرار الفساد، وتآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته.
النائب المرتجى… ضمير الأمة لا صوت الزعيم
في المقابل، يبقى الأمل قائماً بنائبٍ جديد في العقلية والأداء: نائبٍ يتعامل مع النيابة كـتكليف وطني لا كامتياز شخصي، يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويشرّع لحماية المواطن من الفقر والبطالة والظلم، لا لحماية المنظومة من المحاسبة.
النائب المرتجى هو من يسمع نبض الناس، لا همس الزعيم. من يدخل البرلمان حاملاً قضايا الوطن، لا طموحاته الخاصة.
الإصلاح يبدأ من الناخب
لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي في الأداء النيابي من دون إصلاح في الوعي الانتخابي. فالنائب هو، في النهاية، انعكاسٌ لخيارات الناس. وإذا بقي التصويت في لبنان أسير الولاءات الطائفية والمصالح الضيّقة، فلن يتبدّل المشهد مهما تغيّرت الوجوه.
لكنّ اللحظة التي يُدرك فيها الناخب أنّ صوته مسؤولية لا ورقة مجاملة، ستكون بداية التحوّل نحو مجلسٍ نيابيّ يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة والمواطنة.
بين الواقع الذي تحكمه الحسابات الضيّقة، والمرتجى الذي يبنى على الوعي والإصلاح، يبقى دور النائب في لبنان مرهوناً بارتقاء الثقافة السياسية للمجتمع. فحين يعود النائب إلى موقعه الطبيعي كممثّلٍ للأمّة لا للطائفة، وخادمٍ للصالح العام لا للزعيم، يمكن حينها أن نأمل بولادة برلمانٍ يستحقّ اسم “مجلس الشعب”.
بقلم الاستاذ احمد ضاهر
