

الكاتبة كارينا أبو نعيم
اقتربتُ بحذر، كل خطوة كانت تتردد صدى في أعماقي، كأن الأرض تحت قدميّ تهتز. عند حافة الضوء ظهر ظل طويل وداكن، لا يمكن تمييز ملامحه. شعرتُ أن نبضي يتسارع، وأن كل خطوة خاطئة قد تبتلعني في الفراغ .
همستُ لنفسي بصوت خافت: “عليّ أن ألحق بهم…”
ثم دفعتُ قدميّ نحو البوابة التي انفتحت فجأة على جدار الغرفة. وما إن ولجت إلى داخلها حتى بدأ كلُّ شيء من حولي يذوب: الجدران، الأثاث، أخي، الآلات، أصوات المرضى والممرضين. أصبح الهواء أثقل، والضوء يلتف حولي كأذرعٍ خفيّة تحاول ابتلاعي. شعرتُ أن العالم الذي أعرفه ينهار، وأنني على حافة مغامرة لم يسبق لها مثيل…
لم يمضِ سوى ثوانٍ منذ أن تجاوزتُ البوابة حتى شعرتُ أن الهواء يضغط على صدري.
كل شيء حولي تلاشى وحتى ضوء البوابة ذاب وسط سُحب من الضباب الداكن.
بدت الأرضية وكأنها تتحرك، تمتد وتتقلّص تحت قدميّ. اخترقت أذني أصواتاً غريبة: همسات بعيدة، صرخات مكتومة، صدى خطوات غير مرئية. أدركتُ أنني لست وحدي في هذا المكان، هناك شيء آخر معي يراقبني ويرافقني… شيء أكثر غموضًا وخطورة.
ثم، في اللحظة التي شعرت فيها بالذعر، ظهر أمامي ضوء أخضر خافت ينبعث من بعيد. هرعتُ نحوه، ومع كل خطوة، كانت تتراءى لي لمحات من طفولتنا ،أخي وأنا، تتمازج معها صورنا ونحن شباب. كانت تلك الكيانات تتحرك بخفة وسرعة وسط الظلام. تحاوطني وتحاول لمسي غير أنها تتراجع و تبتعد. لكنها تعاود الاقتراب مني وتطوف حولي وتهمس لي بكلمات غير مفهومة وأصوات غريبة. حتى أنني اعتقدتُ للحظة أنني لمحت زوجة أخي والأولاد. لكنهم كانوا بعيدون جداً عني و محاطون بضباب كثيف يجعل ملامحهم غير واضحة ومشوشة، كأنهم عالقون بين عالمين. شعرتُ أن الوقت يذوب، وأن المكان لا يرحم الضعفاء. كان عليّ أن أتحرك بسرعة، أن أجدهم قبل أن يبتلعهم الظلام تمامًا.
همستُ لنفسي: “لا مكان للخوف… لا مجال للتراجع… أنا هنا لأجلهم.”
