ادبياتعيون خاصة

ليلة الكسوف – الحلقة الحادية عشرة : “العالم الذي تركته… لم يعد هناك”–الكاتبة كارينا أبو نعيم

الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

كان أول ما شعر به وليد هو الصمت.ليس صمتًا عادياً، بل سكونًا مطلقًا كأن الهواء نفسه قد توقف عن الوجود.فتح عينيه ببطء… فوجد نفسه واقفًا على أرض ملساء تلمع مثل الزجاج، تمتد بلا نهاية، يعلوها فضاء بنفسجي تتخلله خطوط ضوء متشابكة كشبكة عصب ضخمة.

لم يكن هناك جدار، ولا أفق، فقط نَبض ضوء يتردد في كل مكان، يلمس جلده كأنّه حيّ.

رفع يده، فانعكست حركتها بعد ثوانٍ أمامه — صورة طبق الأصل عنه، لكنّها لم تتبع أوامره.

قال بخوف:

مَن أنت؟

الصورة تحدّثت بصوته نفسه:

أنا ما تبقّى منك بعد الكسوف.”

تراجع خطوة، فاهتزّ المكان حوله كبركة ماء.

ظهر خلفه ممرّ من الضوء يتّجه نحو بناء ضخم يتكوّن من دوائر متداخلة.

تناهى إليه صوت آخر، ناعم وغريب:

مرحبًا بك  يا وليد في طبقة العبور. لا يجب أن تأتي وحدك.”

تجمّدت أنفاسه.

حاول أن يتذكّر وجه  الدكتورة سارة، صوت الرائد رامز، صدى المختبر… لكن الصور كانت تتلاشى.

سأل بصوت مبحوح:

أين أنا؟

ردّ الصوت:

في النقطة التي يتقاطع فيها الوعي بالمادة. في ما قبل الزمن وما بعده.”

 

وفجأة، ظهر أمامه جسد شفاف نصفه بشري ونصفه ضوء، عيونه دوّامة لا قرار لها.

مدّ إليه يده قائلًا:

اتبعني… لأنّ البوابة الثانية على وشك الانغلاق.”

أحسّ وليد أن الأرض تهتزّ تحت قدميه، والفضاء البنفسجي بدأ يتحوّل إلى سواد كثيف.

مدّ يده بتردّد… وعندما لامس الكيان، اجتاحه ضوء هائل أعمى بصره.

قبل أن يغيب مجددًا، سمع الجملة التي ستطارد عقله إلى الأبد:

العالم الذي تركته… لم يعد هناك.”

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »